مقالات وآراء

الفن رسالة سلام… والفنانون مطالبون بقيادة حملة لوقف الحرب

 

منذ بواكير التاريخ الحديث ظلَّ الفن السوداني حاملًا لرسالة نبيلة، يغنّي للوطن ويزرع في النفوس قيم الحب والتآخي والتعايش. لم يكن الغناء السوداني مجرّد ترفٍ أو وسيلة للتسلية، بل كان ولا يزال أداة نضال ووعي وتربية وطنية. من أغنيات الحقيبة التي رافقت مسيرة التحرر الوطني في عشرينيات القرن الماضي، إلى روائع محمد وردي، وإبراهيم عوض، وأحمد المصطفى، ومصطفى سيد أحمد، وعبد العزيز محمد داوود، وعبد الكريم الكابلي، وسيد خليفة، والبلابل، وحسين شندي، وعبد القادر سالم… ظلَّ الفن السوداني مشعلًا مضيئًا يُعبّر عن وجدان الشعب السوداني، ويدعو للوحدة والسلام والأمل.

لقد استخدمت الأغنية السودانية كوسيلة: * للنضال الوطني: إذ شكّلت أحد أصوات المقاومة ضد الاستعمار، وأداة للتعبير عن التطلعات التحررية.

* لتعميق الترابط الاجتماعي: حيث جمعت بين مكوّنات المجتمع المختلفة وأسهمت في نسج الهوية الوطنية المشتركة.

* للتعبير عن آلام الشعب وآماله: إذ حملت الأغنية رسائل عن الكرامة والحرية والعدالة والسلام. لكن السنوات الأخيرة حملت معها ظلامًا ثقيلًا، إذ جرى تسخير الغناء لبث الكراهية، وتشجيع الأناشيد التي تدعو للجهاد والاقتتال الداخلي، فيما انسحب الفنانون الحقيقيون من الساحة احتجاجًا على هذا الانحطاط.

ومع غياب الذوق الرفيع، انتشرت ظاهرة “القونات” وما رافقها من خطاب مبتذل وقيم الثراء السريع والفساد والمخدرات، فابتعد الفن عن رسالته الأصيلة كرافعة للوعي والسلام.

لقد قيل قديمًا: “الفن يسمو بازدهار الأمم وينحط بتخلفها”. وظاهرة “القونات” ليست إلا انعكاسًا للانهيار العام.

كان الفنان السوداني يومًا مبجّلًا، لا يحدّث الجمهور إلا عبر الغناء، يعرف المستمع شاعر الأغنية وملحنها، ويجلس في حضرة إبداع. أما اليوم، فقد صار كثير من الأغاني كلامًا ضحلًا بلا قيمة، يعكس ثقافة الانحطاط أكثر مما يعكس وجدان الشعب.

في هذا السياق المظلم، جاءت دعوة الفنانة الشابة منى مجدي سليم لتعيد البوصلة الحقيقية للفن.

منى مجدي، ابنة القانوني والوطني الراحل مجدي سليم، خرجت بجرأة نادرة لتقول كلمتها الواضحة: “لست مع (بل بس)، أنا مع السلام من البداية إلى النهاية، إلى أن أغادر هذا العالم. السلام رسالة كبيرة، ونحن كفنانين نؤمن بها أيضًا.

” دعوتها هذه لاقت تأييدًا واسعًا من محبّي السلام، لكنها أثارت أيضًا حفيظة المتعطشين للدماء، أولئك الذين لا يعنيهم نزوح أكثر من 12 مليون سوداني، ولا ضياع 14 مليون طفل خارج مقاعد الدراسة، ولا موت الآلاف جوعًا ومرضًا.

هؤلاء هاجموا صوتها لأنهم يقتاتون من استمرار الحرب، ويخشون أن يعلو صوت الفن على طبول الدم.

الفن في جوهره رسالة إنسانية سامية، لا تعرف الكراهية ولا تعترف بالحدود الضيقة. الفنان الحقيقي لا يمكن أن يكون حياديًا أمام الدماء، ولا صامتًا أمام انهيار وطن. ولذلك فإن مسؤولية الفنانين السودانيين اليوم ـ بمختلف مجالاتهم من الغناء والمسرح والرسم والدراما ـ أن يقودوا حملة وطنية جامعة من أجل السلام، وأن يجعلوا من أصواتهم وإبداعهم جسورًا لتوحيد الناس وكسر خطاب الحرب.

لقد دفع الفنانون ثمنًا باهظًا في هذه الحرب. تقرير المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام ومركز أبحاث الموسيقى السوداني (2024) أشار إلى مقتل أكثر من 55 فنانًا منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، بين قصف واعتقال وتعذيب وانعدام للرعاية الصحية. ومن أبرزهم المغنية والناشطة شادن حسين (شادن غردود)، التي اغتيلت وهي ترفع صوتها بالسلام وتوثّق فظائع الحرب.

وفي مواجهة الخراب، اتخذ فنانون مثل أبوعركي البخيت، نانسي عجاج، يوسف الموصلي وغيرهم مواقف حازمة، إذ جعلوا من أغانيهم قلاعًا ضد العنف ورسائل للوحدة الوطنية.

نانسي عجاج في شهادتها الأخيرة لخّصت الموقف: الغناء ليس ترفًا جماليًا، بل موقف أخلاقي ومسؤولية وطنية، والصمت خيانة.

إذا كان السياسيون قد أخفقوا في إيقاف نزيف الوطن، فإن على الفنانين أن يتقدموا الصفوف، يزرعون الأمل، ويطلقون الأغاني والمسرحيات واللوحات التي تقول للشعب: يكفي حربًا.. نريد وطنًا يسع الجميع.

التضامن مع رسالة الفنانة منى مجدي ليس خيارًا عاطفيًا بل واجب وطني. وعلى الفنانين الكبار والشباب أن يعلنوا مواقف واضحة، ويطلقوا حملة إبداعية شاملة ضد الحرب، دفاعًا عن قيم الوطن التي تغنوا لها عقودًا طويلة.

إن التاريخ سيسجّل: من صمتوا كانوا شهود زور على المأساة، ومن غنّوا للسلام كانوا صناع المستقبل.

مداميك

تعليق واحد

  1. هههه هاااك الفن ده يا قحطوطي خلاص لما عرفتوا نهاية الجنجا اسيادكم بالدويلة قالوا ليكم انبحوا بوقف الحرب لكن وبن يااااا بل بل بل بل بل بل بل بل بل بل بل بل بل بل بل بل بل بل بل بل بل ….بل بل بل بل بل بل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..