مقالات وآراء

زيارة خاطفة للوطن

طه داوود

بتوفيق من الله زرت السودان بعد غياب طويل، وتمت الزيـارة م٢٠٢٥مطلع أغسطس .

إتصلت على مكتب مبيعات شركة تاركو للطيران بمدينة الرياض لاستكمال إجراءات الحجز لرحلتي من مطار الملك خالد بالرياض إلى مطار بورسودان الدولي، البديل لمطار الخرطوم حتى تاريخه بسبب الحرب وآثارها المدمرة على الخرطوم وعلى مطارها العتيق وعلى عموم البلاد والعباد .

ولكن أمنيتي بالسفر على هذا الناقل الوطني (تاركو) لم تتحقق بالرياض بأن بسبب إصرار مكتب تاركو كيلو بالرغم من أن معظم ٢٣العفش المسموح به لتذكرة الدرجة السياحية لا يزيد عن قطعة واحدة بوزن شركات الطيران حول العـالم تسمح بشنطتين.

كيلو للراكب الواحد ١٠٠لم يكن أمامي حل آخر غير السفر بالباخرة التي تسمح بأكثر من . حملت حقائبي (وبُقَجي) واتجهت إلى مدينة جـــدة لأسافر عبر مينائها الضخم حيث صالات المسافرين الأنيقة وابتسامات موظفي الجوازات والخدمات والبصات الحديثة المصطفة أمام الصالات والتي نقلتنا إلى الباخرة العملاقة التي أبحرت بنا ليلاًمن ميناء جدة الإسلامي إلى ميناء عثمان دقنة بمدينة سواكن وكان الوصول صباح اليوم التالي.

أميل الى المقارنات إلا إذا كان الهدف هو لا تحفيز) الأدنى) للإنطلاق نحو الكمال، ( والضدُّ يُظهِر حسنَه الضدُّ) . من هذا المنطلق أعتقد أن بين الميناءين بونٌ شاسع، وأن الضرورة تستوجب تطوير ميناء عثمان دقنــة صالاتهوتأهيل ، وخصوصاً صالة القدوم من وضعها البائس الذي شاهدته بعيني مؤخراً، فبوابات وأجهزة تفتيش الحقائب في هذه الصالة الكئيبة كانت متعطلة بسبب انقطاع التيار الكهربائي، فاضطر مفتشو الصالة إلى التفتيش اليدوي، وعند ازدحام الصالة بالناس والعفش وحرارة الأجواء وصراخ الأطفال، اكتفى المفتشون بالسؤال فقط، أي يسئلونك عن محتوى حقيبتك! وما عليك إلا أن تجيب بما تعلمه عن محتوى حقيبتك (انت وضميرك)!

هذا الميناء الذي سُمي على بطل الثورة المهدية عثمان دقنة (كاسر مربع الجيش الانجليزي)، ينبغي أن يكون نموذجاً للإقتداء من حيث البنية التحتية والفوقيةواستخدام التقنية في كافة معاملاته، لا يعقلأن تكون صالة القدوم بلا تكييف، والمراوح المثبّتـةعلى السقف لا تعمل بدواعي انقطاع الكهرباء!

على مدير هيئة الموانئ البحرية اتخاذ ما يلزم من قرارات لتأسيس إمداد كهربائي دائم للميناء لا يتأثر بقطوعات الشبكة العامة للكهرباء.

أعتقد أن هذا الميناء، كغيره من الموانئ البحرية العالمية، يدرأموالاً طائلة لخزينة الدولة، عليه، ينبغي مئوية من تلك الموارد لتطوير الميناءتخصيص نسبة وتجديد صالاته وتزويدها بأجهزة تكييف حديثة وبرادات للمياه العذبة وتطوير شبكة الطرق التى تربط الميناء بوسط مدينة سواكن.

الرحلة بالبصات السياحية من سواكن الى مدن البلاد المختلفة متعبة وممتعة في آنٍ معاً. متعبة بسبب ضيق الطريق ووعورته، فالطريق (طريق بورسودان/عطبرة/الخرطوم) مكوّنمن مسارين فقط ، مسار للذهاب ومسار للإياب، ولا بديل آخر للسيارات السريعة غير الإصطفاف طويلاً خلف الشاحنات البطيئةبحثاً عن مسافة آمنة للتجاوز. ذا البطءه المؤثّرعلى زمن الوصول وعلى ارتباطات والتزامات أصحاب الزيارات الخاطفة والإجازات المحدودة، يزداد تفاقماً بسبب إرتكازات الجيش وشرطـة المرورومراكز الضبط الأمني المنتشرة على طول الطريق. ولا شك في أن التدقيق الأمني مُبرّر ومفهوم في مثل هذه الأجواء الحربية التي تعيشها البـلاد.

الجانب الممتع والإيجابي تجــدهفي هذا التنوع السكاني القادم من كل الولايات المضطربة، إلى الملاذات الآمنة في سواكن وبورسودان وعطبرة..الخ، حيث تلاحـظ القبول والتسامح والتعايش في وجوه الباعة الجائلين وسائقي الركشات وعلى أطراف طرقها المتربةالسوق الكبير في عطبرة وبائعات الشاي في أروقة. وهذا التعايش ليس بغريب على عاصمة الحديد والنار والفن والنقابات ومواكب القطارات التي كانت تخرج من هنا دعماً لحراك ثورة ديسمبر2018م ودعماً للحكم المدني والتحول الديمقراطي.

وصلنا إلى مصفاة الجيلي للبترول في طريقنا إلى العاصمة، حيث ظهرت لنا آثار الحرب: آليات ودبابات محروقة وهياكل سيارات مسروقة على طول الطريق الدائري الممتد بمحاذاة أحياء شرق العاصمة وصولاً إلى كوبري سوبا.

مع هذه المناظر المحزنة تتكاثف في الذهن صور مَن قُتلـوا داخل هذه الآليات المحروقة وأيضاً صور مَـن قتلتهم القنابل والمسيّـرات والصواريخ في الأسواق والبيوت، وصور اللاجئين والنازحين عن أحياء وبيوت الخرطوم الخاوية حتى إشعـار آخر.

إنتقل بنا البص عبر كوبري سوبا إلى الضفة الغربية للنيل الأزرق، حيث أن وجهات معظم ركاب البص تقع في الجانب الغربي، وهي القرى المنتشرة على امتداد مشروع الجزيرة وصولاً إلى ود مدنـي.

غادرت البص في (لفة اللعوتة) وحملت حقائبي الثقيلة إلى إحدى سيارات النقل (البكاسي). جلست في المقعد الأمامي مع السائق الذي انطلق بنا، وهو يحكي لي عن المعاناة والأهوال التي عاشوها أيام سيطرة الدعم السريع على ولاية الجزيرة، وكيف أنهم إضطروا الى إخفاء السيارات بل ودفنها تحت التراب لإنقاذها من لصوص الدعم السريع! ولجـأ الناس إلى استخدام (الدواب) (والكارو) في تنقلاتهم. لم تسلم قرية من أذى قوات الدعم السريع التي كان أيدخلون القرىفرادها ليلاً ونهاراً وهم يحملون البنادق الرشاشة لنهب الأغنام والمحاصيل وأجهزة الهاتف وحُلي النساء تحت تهديد السلاح وربما أطلقوا الرصاص الحي على كل معترض.

نعم، انتهى كابوس الدعم السريع في الخرطوم الاقتصاديوالجزيرة وتنفس الناس الصعداء وعاد الحراك وزرع الناس أراضيهم رغم تحديات الرّي وغلاء الأسمدة والمبيدات، وعادت الأسواق الأسبوعية والمدارس والأعراس.

التكيّـف مع الأوضاع الصعبة الناتجة عن الحرب هو السمة الغالبة في وجوه الناس هنا. على سبيل المثال، تمكّن الناس من معالجة مشكلة انقطاع الكهرباء بالتوسع في استخدام الطاقة الشمسية، فحققوا نجاحاً معتبراً في توليد حاجتهم من الكهرباء، بل وتخزين الفائض من هذا المصدر الإلهي المجاني المتاح للجميع على مدار العام، والمتوافق مع البيئة.

قبل الختـام هذا المقال، تتبادر إلى الذهن مجموعة من الأسئلة الملحـة، منهــا:

*هل ما زال هناك أمل في إصلاح الأوضاع التي أفرزتها الحرب الدائرة منذ أبريل 2023م؟

*هل في الإمكان التوافق على خارطة طريق لإنقاذ البلاد وإعادتها إلى سكة النهوض والتنمية والتحول الديمقراطي؟

الفرصة ما تزال متاحة لتحقيق آمال الشعب وأمانيه في سودان آمن ومعافى من آثار الحروبأعتقد أن والإنقسامات والإنقلابات.

هذه الفرصة تستلزم تنفيذ مجموعة من المبادرات والخطوات الشجاعة من قبل سلطة الأمر الواقع بقيادة الفريق البرهان.

أولى هذه الخطوات: إعطاء الأولوية للسلام وحقن الدماء بالمبادرة بإعلان وقف إطلاق النار ولو من جانب واحد، ووضع الكرة في ملعب قوات الدعم السريع التي فقدت المصداقية والتعاطف بسبب وحشيتها وعدوانيتها تجاه المدنيين العزل خلال فترة تمددها في مدن وقرى ولايات السودان المختلفة،وبالتالي لن تجد هذه القوات أمامها خياراً آخر غير القبول بوقف النار والجلوس إلى طاولة المفاوضات.

ثاني هذه الخطوات: الوفاء بالوعود التي أطلقها البرهان في غير ما مناسبة والتي أكد فيها مراراً وتكراراً زهده في السلطة وأنه سيعيد الحُكم إلى لتختار من تشاء لحكم البلادالقوى المدنية ، وأن الجيش سيعود الى ثكناته للانخراط في عمله الأساسي في حماية البلاد ومواردها وحدودها ودستورها.

ثالث هذه الخطوات: على سلطة الأمر الواقع الإقراربأن إنقلاب أكتوبر 2021ضم على حكومة الدكتور عبدالله ادم حمدوك الانتقالية على هوانها وهشاشتها وضُعف أدائها واستسلامها للعسكر، كان خطـأً كارثياً نتج عنه كل هذا الدمار والنزوح ومئات الألوف من القتلى الذين ووريت جثامين المحظوظين منهم في الأزقة الداخلية للأحياء، بينما تناثرت أعداد لا حصر لها من الجثث في ساحات المعارك، كما شوهد العديد منها طافحة على مياه الأنهار فضلاً عن تلكم المنتَشلـة من آبـار السايفـون!

إن إنـزال هذا الإقرار على أرض الواقع، يستلـزم من أصحاب القـرار القيام بإجراءات وخطوات تنفيذية وتحقيقات ومحاكمات شفافـة وعـادلـة لكل من ساند وشارك فـي:-

(1) وأالديمقراطية الوليدةد التجربة في أعقاب ثورة ديسمبر 2018م المجيـدة

(2) فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019م وما نتج عنه من قتل وتعذيب للثوار.

(3) قمع وقتل المتظاهرين السلميين المناهضين لانقلاب أكتوبر 2021م

(4) الإعداد والتحريض والتنسيق لإشعـال الحرب الحاليـة ما بين الجيش والدعم السريـع.

التحية،،
samoibal@yahoo. Com

تعليق واحد

  1. شوية شوية شعب١جيش١ بدأ يفهم و انقشع الظلام أمام الأعين و شوية شوية تبدأ العقول تشتغل و شوية شوية تطلع من القطيع و تتخلص من أذني الجحش و تدخل في جماعة يا اولي الالباب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..