جنوب السودان أمام خيارين إما سيادة حكم القانون أو فوضى عارمة !

مشار موال أجيط
توطئة
فن الحكم، ذلك الفن النبيل العظيم، قد شوهه وبدل محاسنه الكثير من مبادئ خاطئة جعلته فناً للكذب والخداع والاضطهاد والإفساد، تحت ستر كاذب من العدالة الموهومة.
كتاب الإجرام السياسي للقاضي الفرنسي لويس بروال
(١)
في مبتدأ الحديث أن شعب جنوب السودان قد عاني من ويلات الحروب والصراعات في مسيرته الطويلة امتدت لأكثر من خمس عقود من الظلم والحرمان حتي وصل إلى الاستقلال في يوليو ٢٠١١، وقد كان الأمل يحدوه نحو وطنٍ جديدٍ حرٍ آمنٍ مستقرٍ ومزدهر. بيد أن قادته لم يعو الدروس القاسية من القهر والإضطهاد التي حدثت في سني حرب التحرير والتي أعطى فيها شعب جنوب السودان بكل ما يملك من الأبناء والبنات لخوض تلك المسيرة من النضال والكفاح الثوري ضد الأنظمة السياسية والعسكرية السودانية الغاشمة بمختلف أيديولوجياتها. وقد أعطى شعبنا عطاء من لا يخشى الفقر كما يقولون. فحرب الخامس عشر من ديسمبر ٢٠١٣ التي وقعت وقع الحافر بالحافر كانت القشة التي قصمت ظهر تماسك الشعب ووحدة البلاد. ومما يثير الفضول أن قادة البلاد لم يشعلوا الحرب القبلية العبثية فحسب بل مضوا قدماً نحو إثراء الذات من خلال نهب موارد البلاد وبناء قصوراً شاهقات في الخارج (بلاد الوي وي) ومن هنا كتبوا ماساةً للوطن والشعب، فأمسي الاستقلال والتحرير الوطنين كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماءً.
(٢)
ولقد تم خيانة مبادئ النضال الثوري التي ناشد بها المفكر الثائر الشهيد الدكتور جون قرنق دي مبيور.( أن الحركة الشعبية لتحرير السودان ستستمر ثابتةً وإنها ستبقى حركة الشعب، فالحركة الشعبية لتحرير السودان ان تخون أهدافكم ولا ثقتكم بها، كما لم تخنكم طوال الاثنين والعشرين عاماً الماضية من النضال والكفاح، وسوف تستمر الحركة الشعبية لتحرير السودان في رؤيتها ومٌثلها التي ضحت طوال الاثنين والعشرين عاماً من أجلها فانهمرت فيها دموعنا وسالت دماؤنا). ومهما يكن من أمر فإن البلاد قد وقعت فريسةً للسياسات القبلية والمحسوبية، ولقمةً سائغةً للفاسدين وبمشاركة منظومات هلامية تُسمى زوراً وبهتاناً بالأحزاب السياسية، إذ أنها ليست سوى لافتات للتسول والانتهازية وتدمير البلاد. فحرب الخامس عشر ديسمبر ٢٠١٣ العبثية قد كشفت الأقنعة التي اختفت من ورائها الفساد والجشع والطمع والإنتهازية .
(٣)
وكان القاضي لويس بروال اكثر دقةً في رائعته ( الإجرام السياسي) أن الحكم فن نبيل وعظيم يقوم على مبادئ الحرية والكرامة الإنسانية، فضلاً عن إقرار الديمقراطية وسيادة القانون ومبدأ سمو الدستور والفصل بين السلطات.وبطبيعة الحال فهو أبعد من نهج الكذب والخداع و الفساد وانتهاك حقوق الإنسان والحريات الأساسية. صفوة القول أن المحكمة التي تجري في البلاد هذه الأيام لمحاولة محاكمة النائب الأول لرئيس الجمهورية دكتور رياك مشار ورفاقه في الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة قد تكون لها تداعيات خطيرة تفتح ابواباً على مصراعيها للعنف والفوضى، في الوقت الذي يحتاج فيه شعبنا للسلام والاستقرار.
(٤)
وعلى الرغم من أن الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة التي يقودها الدكتور رياك مشار لم تكن لها أجندة سياسية ورؤى واضحة حول قضايا حكم هذا البلد الذي يعاني فيه أبناء وبنات الشعب من حروب قبلية التي تطحنهم طحناً، والفقر المدقع والأوضاع الصحية المزرية، وإنعدام الامن، فإن ليس ثمة مسوغ لإعتقاله وبطش وتنكيل به ومصادرة حقوقه الدستورية. ومهما يكن من امر فإن الأسس القانونية التي تستند عليها الدائرة الجنائية للمحكمة العليا لمحاولة محاكمة الدكتور رياك مشار ورفاقه تكاد تنعدم بالمرة. فالاعتقال التحفظي الذي حدث للقادة المعارضة في مارس المنصرم كان إمعاناً لانتهاك نصوص الدستور، إذ أن المادتين٥٥،٥٤ من قانون جهاز الأمن الوطني لسنة ٢٠١٤ تعديل ٢٠٢٤ اللتين تمنحان الجهاز سلطة القبض دون أمر قضائي تنتهكان نصوص الدستور الذي يسمو على جميع القوانين في البلاد بمقتضى المادة ٣(١)(٢)(٣) من الدستور القومي الانتقالي لسنة ٢٠١١ المعدل والتي تنص على ( يستمد الدستور سلطته من إرادة الشعب، وهو القانون الأعلى للبلاد حيث يسمو على جميع القوانين والتشريعات، ويتوافق مع دساتير الولايات ويكون ملزماً للأشخاص والمؤسسات الحكومية بمختلف المستويات.
(٥)
وبناء على مبدأ سمو الدستور فإن حجية الدفع بعدم دستورية المادتين سابقتي الإشارة من قانون الجهاز تجئ في نص المادة ١٥٩ (٣) من الدستورعلى أن يكون جهاز الامن الوطني مهنياً إذ تركز مهمته على جمع المعلومات وتحليلها وتقديم المشورة للسلطات المعنية (٤) يحترم جهاز الامن إرادة الشعب، وسيادة حكم القانون وإقرار الحكم المدني الديمقراطي وحقوق الإنسان والحريات الأساسية. واستناداً على ما تقدم فإن الاعتقال التحفظي لنائب الأول لرئيس لمدة سبعة اشهر لم يكن مشروعاً البتة. كما إن قرار عزله من منصبه لم يكن دستورياً إذ أنه يتمتع بحصانة حيث لايجوز عزله إلا من قبل رئيس الجمهورية وبتصويت ثلثي أغلبية أعضاء الهيئة التشريعية القومية وفقاً المادة ١٠٣(٢) من الدستور الانتقالي لسنة ٢٠١١ المعدل. وفي هذا السياق يمكن لدكتور رياك مشار ورفاقه رفع دعوى دستورية في مواجهة الحكومة لتقاضي الضرر الذي أصابهم جراء الاعتقالي التحفظي غير المشروع.
(٦)خلاصة القول أن استقلالية السلطة القضائية هي مسألة جوهرية وفقاً للمادة ١٢٤(١) من الدستور والتي نصت على : تكون السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية (٤) تخضع السلطة القضائية لهذا الدستور والقانون ويطبقهما بنزاهةٍ دون تدخلٍ سياسي أو خوف أو محاباة. وبالتالي لا يجوز ممارسة التأثير على قراراتها وأحكامها. كما أن القضاة يتمتعون بالاستقلال في أداء وظائفهم ولا سلطان عليهم سوى القانون والضمير، ومهما يكن من شيء فمبادئ الدستور تحول دون التغول التنفيذي الذي قد يجعل القضاء أداةً طيعةً للبطش والتنكيل.وفيما يختص بالمحكمة العليا وسلطاتها واختصاصاتها وفقاً للمادة ١٢٦ (ز) من الدستور فإن لها اختصاص جنائي في مواجهة كل من رئيس الجمهورية والنائب الأول لرئيس ورئيس الهيئة التشريعية القومية ورئيس مجلس الولايات ورئيس المحكمة العليا وفقاً للمادة ١٠٣(٢) حالما ثبتت جريمه الخيانة العظمى، أو التآمر على امن البلاد أو إنتهاك نصوص الدستور، يجوز عزل النائب الاول لرئيس الجمهورية وفقاً للمادة ١٠٤(٢) من الدستور، بناء على قرارٍ صادرٍ بأغلبية ثلثي أعضاء الهيئة التشريعية القومية. وهذا إجراء لم يحدث أن قُدم مسألة دكتور رياك مشار لتصويت من قبل الهيئة التشريعية القومية لعزلة وإسقاط حصانته.(٧)وتأسيساً على ما تقدم فإن أطراف اتفاقية السلام المنشطة لتسوية النزاع في جنوب السودان سبتمبر ٢٠١٨ حكومة جنوب السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة قد تواثقتا على سمو اتفاقية على مبادئ الدستورالقومي إلانتقالي لسنة ٢٠١١ المعدل. علي أن تُنشئ الاتفاقية مؤسسات الفترة الإنتقالية، فالمحكمة المختلطة (هجين) لجنوب السودان هي واحدة من مؤسسات العدالة الإنتقالية التي أقرتها متن الاتفاقية في فصلها الخامس إذ لها اختصاص جنائي في الجرائم التي وقعت في حرب ديسمبر٢٠١٣ وفقاً لتقرير رئیس مفوضیة الاتحاد الأفریقي التي ترأسها وقتها الرئيس النيجيري الاسبق اولوسو أوباسانجو والتي تتعلق بجرائم التطھیر العرقى والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب الجرائم الخطيرة الأخرى التي تتعلق بالعنف الجنسي بموجب القانون الدولي والقوانین ذات الصلة في جنوب السودان. وعليه أن اية خطوة تتقدمها الدائرة الجنائية للمحكمة العليا جنوب السودان في المضي قدماً نحو محاكمة النائب الأول الدكتور رياك مشار ورفاقه في المعارضة ليس سوى دق آخر مسمار في نعش اتفاقية السلام المنشطة وفتح الباب موارباً نحو العنف والحروب والفوضى أشبه بسيناريو الجار السودان.



