المحبوب عبد السلام: ما بين أسر الفكرة إلى أفق الوطن

المحبوب عبد السلام: ما بين أسر الفكرة إلى أفق الوطن .. رجل رأى كل شيء ثم اختار الضوء
قراءة في فكر الدكتور المحبوب عبد السلام ورحلته من ظلال الإسلام السياسي إلى بصيرة الإسلام الإنساني
م/ معاوية ماجد
حين يتحوّل الانتماء إلى بصيرة
في المشهد السوداني المتشابك اليوم، تتناسل الأصوات وتتناقض المشاريع، غير أن قلةً قليلة فقط تملك القدرة على رؤية الصورة الكاملة — ما وراء الشعارات والحسابات الضيقة.
من بين هذه القلة يبرز اسم الدكتور المحبوب عبد السلام، الذي يمثّل حالة فكرية فريدة في تاريخ الإسلام السياسي السوداني، بل في الوعي الوطني السوداني المعاصر.
فهو رجل عاش التجربة من داخلها، وخرج منها بعقلٍ ناقدٍ وضميرٍ يقظ، دون أن يسقط في نكران الذات أو إنكار الدين، بل ليؤسس لرؤية جديدة تتجاوز الأيديولوجيا نحو الوطن.
من صفوف الإخوان إلى قلب السلطة
انضمّ المحبوب عبد السلام إلى الحركة الإسلامية منذ شبابه المبكر في المرحلة الثانوية، حين كانت الفكرة الإسلامية تبدو مشروعًا للخلاص من أزمات الهُوِيَّة والتنمية والاستبداد.
تشرّب خطابها، وشارك في أنشطتها، وتدرّج حتى صار من المقرّبين جدًا إلى الدكتور حسن الترابي، مهندس انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، وأحد أكثر المفكرين تأثيرًا في الإسلام السياسي السوداني.
داخل منظومة “الإنقاذ”، عاش المحبوب تجربة الحكم من الداخل: رأى كيف تُدار الدولة تحت لافتة الإسلام، وكيف تتحوّل الفكرة إلى وسيلة للتمكين والسيطرة.
لكنه لم يفقد حسّه النقدي. فحين انشغل الآخرون بالمناصب، كان هو يسجّل ويراقب ويسائل، حتى خرج في وقتٍ مبكرٍ عن صمتٍ طال أمده.
شهادة من قلب التجربة
في مطلع الألفية، نشر الدكتور المحبوب عبد السلام كتابه الشهير
«الحركة الإسلامية السودانية: دائرة الضوء – خيوط الظلام»،
الذي يُعدّ أحد أكثر الكتب صدقًا وجرأة في نقد التجربة الإسلامية من داخلها.
لم يكن الكتاب تبرّؤًا ولا انتقامًا، بل مرافعة فكرية وأخلاقية تضع النقاط على الحروف: كيف انحرف المشروع عن مقاصده، وكيف سقطت الفكرة في فخ السلطة، وكيف تحوّل شعار “هي لله” إلى غطاءٍ لممارسةٍ سلطويةٍ بلا روح ولا أخلاق.
وفي لحظةٍ كان فيها الاعتراف يُعدّ خيانة، كتب المحبوب بشجاعة من يعرف، وبصدق من يهمّه المستقبل لا الماضي.
وقد وعد آنذاك بكتابٍ ثانٍ يُكمل فيه ما بدأه عن العشرية التالية — وعدٌ ينتظره كثيرون لما يحمله من كشفٍ وتحليلٍ نادرين في صدقهما.
من نقد الإسلاميين إلى تأسيس الإسلام الليبرالي
مع مرور الوقت، تجاوز المحبوب حدود النقد الداخلي، ليصل إلى تحوّل فكري جوهري:
أن الإسلام السياسي، في صيغته التنظيمية السلطوية، استنفد أغراضه التاريخية، وأنه لا يمكن بناء دولة حديثة على أساس الأيديولوجيا الدينية.
لقد أدرك أن الإسلام لا يحتاج إلى حزبٍ يدّعي احتكاره، بل إلى مجتمعٍ حرٍّ يعيش قيمه دون وصاية.
ومن هنا بدأ يتبنّى ما يمكن تسميته بـ الإسلام الليبرالي أو الإسلام الإنساني — رؤية تعيد الدين إلى مجاله الطبيعي: الضمير، القيم، الأخلاق، لا مؤسسات السلطة ولا شعارات التمكين.
هذه النقلة الفكرية لم تكن قفزًا نحو الضفة الأخرى، بل رحلة وعي وتحرّر من أسر الأيديولوجيا إلى فضاء الحرية الفكرية.
فالمحبوب لم يهاجر من الدين، بل من التوظيف السياسي للدين.
ولذلك تبدو لغته اليوم أكثر توازنًا، أقرب إلى خطاب العقل، أبعد عن التهييج والمزايدات.
الوسيط بين العسكر والسياسة: صوت العقل في زمن الصخب
في زمن الحرب والانقسام، يختار الدكتور المحبوب عبد السلام أن يقف في المنطقة الوسطى، لا موقع الحياد السلبي، بل موقع البصيرة الوطنية.
يؤمن أن الأزمة السودانية ليست معركة بين عسكر ومدنيين فحسب، بل أزمة بنية وطنية تحتاج إلى مشروع جامع يوازن بين ضرورات الأمن ومطالب السياسة، بين العدالة والاستقرار، وبين الماضي والمستقبل.
يحاور الجميع دون تعالٍ، يدعو إلى مصالحة وطنية شاملة، ويرى أن التسوية ليست خيانة، بل طريقٌ لإنقاذ الدولة من الفناء.
يخاطب العسكر كمن يعرف دواخلهم، والسياسيين كمن عاش تنظيماتهم، في محاولة لتجسير الفجوة التي مزّقت السودان إلى جبهات متقاتلة.
وفي عالمٍ تسيطر عليه الكراهية، يقدّم المحبوب خطابًا تصالحيًا عقلانيًا، يرى في كل طرف جزءًا من المشكلة وجزءًا من الحل، مؤمنًا أن لا أحد يملك الحقيقة وحده.
مفكرٌ وطنيٌّ متجاوز للأيديولوجيا
لا يمكن فهم الدكتور المحبوب عبد السلام إلا باعتباره واحدًا من أبرز المفكرين السودانيين الذين جمعوا بين العمق الإسلامي والتحليل السياسي الحديث.
يمتلك أدوات الفكر النقدي، ويُحسن قراءة التحولات الكبرى في علاقة الدين بالسلطة، محليًا وإقليميًا.
وفي كل إطلالة له عبر القنوات أو الصحف، يثبت أنه لا يتحدث من موقع تنظيمي أو حزبي، بل من أفق وطني واسع يرى في السودان مشروعًا حضاريًا يمكن أن ينهض من جديد إذا تصالح مع ذاته.
لغته هادئة، عميقة، خالية من الشعارات.
يتحدث كمن خرج من تجربة الخيبة لا لينتقم، بل ليفهم وليبني.
وهذا ما يجعل فكره اليوم أكثر نضجًا وواقعية من كثير من الأصوات التي ما تزال حبيسة الماضي.
كنز وطني ينبغي الاستفادة منه
إن الدكتور المحبوب عبد السلام ليس مجرد مفكر أو شاهدٍ على مرحلة، بل كنز وطنيٍّ حقيقي يمتلك من الخبرة والمعرفة والاتزان ما يؤهله لأن يكون أحد العقول المرجعية في صياغة الرؤية السودانية الجديدة.
ففي زمنٍ تسيطر فيه الأيديولوجيات، نحتاج إلى من يفكّكها بعقلٍ مفتوح؛
وفي زمنٍ تسوده الانقسامات، نحتاج إلى من يبني الجسور لا الجدران؛
وفي زمنٍ تراجعت فيه القيم، نحتاج إلى من يُعيد للسياسة معناها الأخلاقي.
إن تجاهل مثل هذه العقول خسارة وطنية كبرى.
فالسودان الذي يبحث اليوم عن طريقه وسط الأنقاض لن يجد خلاصه في السلاح أو في الأوهام، بل إن تجاهل مثل هذه العقول خسارة وطنية كبرى. فالسودان الذي يبحث اليوم عن طريقه وسط الأنقاض لن يجد خلاصه في السلاح أو في الأوهام، بل في *حكمة المجربين وأمانة المفكرين*. والمحبوب عبد السلام واحدٌ من هؤلاء القلائل الذين جمعوا بين التجربة والنقد والرؤية — بين الدين والعقل والوطن.
خاتمة: حين ينتصر الفكر على السلطة
قصة الدكتور المحبوب عبد السلام ليست سيرة فردٍ فقط، بل *قصة جيلٍ كاملٍ من الإسلاميين الذين واجهوا أنفسهم بصدق*. هي رحلة فكرٍ بدأ بالدعوة إلى التمكين وانتهى بالإيمان بأن *التمكين الحقيقي هو تمكين الإنسان والضمير والحرية*.
في زمنٍ تغيب فيه البصيرة ويعلو فيه صوت السلاح، يظل صوت المحبوب هادئًا، عميقًا، نادرًا في صدقه. صوتٌ يذكّر السودانيين بأن الوطن أكبر من الحزب، وأن الدين أوسع من التنظيم، وأن المستقبل لا يُبنى بالثأر، بل بالوعي والمصالحة.
إن السودان يحتاج اليوم إلى أن *ينصت لا أن يصرخ*، وأن يتعلم من تجارب رجاله الذين خرجوا من الظلام إلى الضوء. والمحبوب عبد السلام، بكل ما راكمه من تجربة وفكرٍ ونزاهة، *هو أحد مفاتيح هذا الضوء*.




أحسنت ،،، ووفقت في اعطاء الرجل حقه كاملا،،، (إن الدكتور المحبوب عبد السلام ليس مجرد مفكر أو شاهدٍ على مرحلة، بل كنز وطنيٍّ حقيقي يمتلك من الخبرة والمعرفة والاتزان ما يؤهله لأن يكون أحد العقول المرجعية في صياغة الرؤية السودانية الجديدة)| نعم المحبوب عبدالسلام لقد قلت حقا ، وما احوجنا الى كثيرين من امثاله ، حفظ الله المحبوب
أحسنت ،،، ووفقت في اعطاء الرجل حقه كاملا،،، (إن الدكتور المحبوب عبد السلام ليس مجرد مفكر أو شاهدٍ على مرحلة، بل كنز وطنيٍّ حقيقي يمتلك من الخبرة والمعرفة والاتزان ما يؤهله لأن يكون أحد العقول المرجعية في صياغة الرؤية السودانية الجديدة)| نعم هذا هو المحبوب عبدالسلام لقد قلت حقا ، وما احوجنا الى كثيرين من امثاله اليوم ، حفظ الله المحبوب