الأزمات مرآتنا الصادقة

احمد الفكي
الأزمات دائمًا ما تكشف لنا حقائق لا نرغب في رؤيتها.
وهذا القول ينطبق تمامًا على حالنا كشعب، وعلى حال بلادنا.
كثيرٌ منّا يردده بصيغ مختلفة — “الحرب فضحتنا”، “الزمن كشفنا”، “الأزمة عرّت المستور” — لكنها جميعًا تؤدي إلى المعنى نفسه: أن ما نحاول إخفاءه عن أنفسنا قد خرج إلى العلن.
وغالبًا ما يحاول بعضنا أن يغسل يديه من الفشل، مشيرًا إلى آخرين اختطفوا البلاد منذ عقود، وعاثوا فيها فسادًا وخرابًا. ورغم صحة مسؤولية مجموعات سياسية وعسكرية بعينها، يظل هذا التفكير قاصرًا، لا يعكس كل الحقيقة.
نسخر أحيانًا من أولئك الذين يُقدَّمون في الفضائيات على أنهم “خبراء استراتيجيون”، كما نسخر من بعض “الأمميين” الذين يعودون إلينا حاملين كتبًا ألّفوها على أرائك وثيرة في العواصم الأوروبية، دون أن تكون لهم معرفة حقيقية بشعبنا، ولا بأحلامه، ولا بآلامه.
لكنّ ذلك لا ينفي أن بيننا، داخل الوطن وخارجه، كثيرين من بنات وأبناء هذا الشعب ممن يمتلكون فضولًا صحيًا، ووجدانًا سليمًا، وانتماءً وطنيًا صادقًا يدفعهم إلى التفكير في معضلات البلاد بصدقٍ ومسؤولية. هؤلاء، بلا شك، يملكون القدرة والمقدرة على العمل الجماعي للخروج من ورطتنا التاريخية.
ولا يختلف عاقلان على الدور الفعّال للعسكر والكيزان في الخراب الذي نعيشه اليوم، غير أن ذلك لا يمثل إلا بعض الحقيقة، لا كلها. فعدمُ مقدرة ساستنا ومثقفينا، وتهافتُهم على إدارة أي انتقال دون كفاءةٍ أو تواضع، هو وجهٌ آخر من المأساة.
إنها حالة تستحق أن نجلس لأجلها على الأرض، نواجه أنفسنا في مرآة الواقع، ونستخلص منها الدروس الحقيقية لنمضي قدمًا.
فما أسهل اللوم، وما أفقره من طريق، إذ يحرمنا — وسيظل يحرمنا — من أن نضع أيدينا على مواضع أمراضنا وعللنا.
ولعل الوقت قد حان لأن نتعامل مع هذه الحقيقة بهدوءٍ أكثر،
أن نجلس معًا، ونتأمل ونفكر بفضولٍ صادق،
قبل أن نسارع إلى الدفاع عن استنتاجاتنا المعتادة.



