ترف الإسلاميين… وجحيم المواطن: مفارقة بلدٍ منكوب بالحرب والفساد

وصال قسم السيد
بينما تُطحن غالبية السودانيين تحت نار الحرب وغلاء المعيشة وانهيار الخدمات، تتكشف كل يوم حقائق صادمة عن طبقة سياسية ودينية — الحركة الإسلامية — التي لم تتردد في تحويل الدولة إلى مزرعة خاصة، وجمع الثروات، وشراء الشقق والعقارات داخل السودان وخارجه. مفارقة قاسية بين من يملك مفاتيح الأبراج، ومن يعيش تحت الأنقاض بلا مأوى ولا كهرباء ولا دواء.
🟤 أولاً: شقق فارهة وأرصدة منتفخة… وكأن الحرب لا تعنيهم
منذ اندلاع الحرب، لم يتوقف كثير من الإسلاميين عن الشراء والتمدد في العقارات، وكأن الخراب الاقتصادي فرصة ذهبية لهم. تُباع العقارات بأثمان بخسة بسبب الحاجة والهجرة، فتتحول إلى غنائم لأفراد الحركة:
▪ شقق فاخرة في اسطنبول، القاهرة، والدوحة.
▪ عمارات كاملة اشتراها بعض القيادات بأسماء أقاربهم.
▪ أراضٍ بيعت بثمن التراب من مواطنين اضطرّتهم الحرب إلى البيع والهروب.
إنه ترف الحرب الذي يجيدونه: الخراب مصدر رزق، ومعاناة الشعب فرصة استثمارية.
🟤 ثانياً: المواطن السوداني… يواجه حربين: حرب البنادق وحرب الجوع
على الطرف الآخر، يقف المواطن السوداني في أبشع وضع إنساني منذ عقود:
▪ أسعار الغذاء تضاعفت عشرات المرات.
▪ أسرٌ كاملة بلا رواتب، بلا مساكن، بلا دواء.
▪ النازحون يفترشون الأرض ويلتحفون السماء.
▪ انعدام الأمن، توقف التعليم، انهيار الصحة.
بينما يفقد السوداني كل يوم شيئاً من حياته، لا يفقد الإسلاميون سوى وقتهم في اختيار ديكور الشقة أو مفاوضة السمسار على السعر.
🟤 ثالثاً: النفاق السياسي… حين يتحول الدين إلى رخصة نهب
ما يثير الغثيان ليس فقط الفارق الاقتصادي، بل خطاب الوعظ الذي لا يزال يخرج من أفواه من اغتنوا على حساب البلاد:
▪ يتحدثون عن “الجهاد” بينما أولادهم في الجامعات بمال الشعب.
▪ يزايدون بالوطن وهم أول من باعه.
▪ يرفعون شعارات الزهد وهم الأكثر امتلاكاً.
الحركة الإسلامية لا تزال تستخدم الدين كغطاء، والوطن كخزانة مفتوحة، والشعب كضحية صامتة لنهج لم يتغير منذ ثلاثين عاماً.
🟤 رابعاً: بلدٌ ينهار… وطبقة تزداد ثراءً
السودان اليوم يعيش كارثة مركّبة:
انهيار اقتصادي + حرب + فساد متجذّر + قوى سياسية لا ترى أبعد من مصالحها.
في الوقت الذي يُهجّر المواطن من منزله، تُضاف شقة جديدة إلى قائمة ممتلكات أحد رموز النظام السابق.
وفي الوقت الذي يبحث الناس عن رغيف خبز، يبحث الإسلاميون عن الفرص الذهبية لشراء العقارات المنهارة.
🟤 خامساً: لا عدالة بلا كشف الحساب
لن يتعافى السودان ما لم تُفتح دفاتر الفساد، ويُحاسَب كل من نهب ثروات الشعب، واستغلّ نفوذه، وأدار حياته في ترف بينما تُسحق البلاد.
السودانيون اليوم لا يحتاجون شعارات جديدة؛ يحتاجون عدالة، وشفافية، واسترداد أموالهم ممن راكموا الثروة على رماد الوطن.
“ولسنا ندعو، أول ما ندعو، إلى شيء أكثر، ولا أقل من إعمال الفكر الحر فيما نأتي وما ندع، من أمورنا ـ الفكر الحر الذي يضيق بكل قيد ـ ويسأل عن قيمة كل شيء، وفي قيمة كل شيء، فليس شيء عنده بمفلت عن البحث، وليس شيء عنده بمفلتٍ من التشكيك…”
محمود محمد طه، 1945م
مشايخ الأزهر ومحكمة الردة 1968
التشويه والمغالطات في تقديم الدكتور الحسيني لكتاب حسين محمد زكي
تابع لما ورد في الحلقة السابقة.
انطوت كتابة الدكتور الحسيني عبد المجيد هاشم، أستاذ علم التصوف الإسلامي والمحاضر بجامعة أم درمان الإسلامية، عن كتاب حسين محمد زكي، على الكثير من المغالطات والتشويه للفكر الجمهوري/ الفهم الجديد للإسلام.
فقد ذهب الدكتور الحسيني، إلى القول بأن الحزب الجمهوري “لو كان صادقاً في دعواه ويجادل بالمنطق كما يدعي هو وأتباعه لينادوا بقوانين الشريعة الإسلامية، والدستور الإسلامي”.
وكان الحزب الجمهوري قد واجه دعوة هؤلاء المشايخ تطبيق الشريعة الإسلامية وإدعائهم الغيرة على الدين، في بياناته. ففي بيان له بعنوان: “تدخل علماء الفقه المصريين في السياسة السودانية”، أوضح الحزب بأن هؤلاء “العلماء الأجلاء” غير صادقين في إدعائهم الغيرة على الدين، وإنما يستغلون الدين ليبرروا تدخلهم السياسي.
وختم الحزب بيانه قائلاً:
“فليخسأ الفقهاء المصريون، وليوفروا على أنفسهم وعظهم وإرشادهم فهم في أنفسهم، وبلادهم أحوج منا إلى ذلك”.
كما دعاهم في بيان آخر إلى أن يكفوا عن حشر أنوفهم في السياسة السودانية، والسياسة محرمة عليهم في بلادهم، كما أنهم يدعون إلى الدستور الإسلامي ويعظون ويرشدون (وبيتوهم من زجاج).
الدكتور سليمان السيد دنيا يكتب عن كتابي: الأمين داود وحسين محمد زكي
“نحن لا نلوم الفقهاء على عدم الفهم، ولكننا نلومهم على عدم الصدق، حتى في التزام الشريعة المرحلية”.
محمود محمد طه، ديسمبر 1968
تناول الدكتور سليمان السيد دنيا، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة أم درمان الإسلامية، كتابي الأمين داود وحسين محمد زكي، وذكر أنّه بصدورهما “يحق لرجال الدين أن يرفعوا رؤوسهم مزهوين بالتخلص من ربقة التقصير الذي يرمون به”. وأضاف قائلاً:
“الحق أن الكتابين يبرآن ذمة مؤلفيهما”.
ثم تحدّث عن مواجهة الكتابين، لما أسماه أخطر الدعاوي التي يراد بها هدم الإسلام — وهو يقصد الفكر الجمهوري — وواصل حديثه.
النفوذ السياسي المصري يُوجه الفقهاء لعزل الحزب الجمهوري وزعيمه عن الجماهير
سيناريو محكمة الردة
“نحن واثقون إنو مسألة محكمة الردة، مسألة سياسية وليست مسألة دينية…”.
محمود محمد طه، مارس 1969
ظلت مصر الرسمية، ومصر الأزهر، تتربص بالمفكر محمود محمد طه. وكان لابد من عقوبة سياسية.
كان النفوذ المصري يعتمد على الأزهر وحلفائه في السودان، وخاصة الأحزاب الاتحادية. ومع استمرار المواجهة بين الحزب الجمهوري ومصر منذ الأربعينات، بلغت ذروتها في الستينات، فكان لابد من تصميم سيناريو لعقوبة تستهدف الحزب وزعيمه أمام الجماهير.
فاستُخدم الدين كسلاح، وتم تفصيل سيناريو محكمة الردة 1968 بإخراج مصري وتنفيذ سوداني، عبر:
▪ فقهاء الأزهر
▪ فقهاء السودان
▪ القضاة الشرعيون
▪ الإخوان المسلمون
▪ الأحزاب الطائفية
وتم استغلال منابر المساجد — أقوى أدوات التأثير — لتشويه صورة الحزب الجمهوري وزعيمه.
ونقف هنا ونلتقي في الحلقة العاشرة
وسنتناول بإيجاز شديد المحاور الآتية:
- المؤسسات الإسلامية تُؤيد الحكم بالردة الصادر في 18 نوفمبر 1968 وتُفتي بالردة والتكفير.
- فتوى الأزهر في حق المفكر السوداني الإنساني محمود محمد طه.
- فتوى رابطة العالم الإسلامي.
- أساتذة جامعة أم درمان الإسلامية ومشايخ الأزهر وكتاباتهم ضد الفكر الجمهوري.
- الندوة العالمية للشباب الإسلامي (السعودية) ودورها في نشر الجهل.
- هيئة علماء السودان والتوظيف المستمر لمحكمة الردة.
- آليات تشويه صورة الجمهوريين في الشارع.
- أول أطروحة دكتوراه عن الجمهوريين لطلاب مبتعثين.
- الأكاديميا السودانية وإعادة إنتاج نصوص محكمة الردة 1968.
- ذوبان سردية التكفير أمام نور الوعي.



