ردٌ على مقال د. أمين حسن عمر حول تجربة الدكتور المحبوب عبد السلام الفكرية

في مقال د. أمين حسن عمر المنشور في مايو 2022 بعنوان “#عجائب_الزمن_القحتي: عبر التاريخ والأيام في كلام المحبوب عبد السلام”، تناول الكاتب تجربة الدكتور المحبوب عبد السلام الفكرية وتحركاته بين التيارات الإسلامية وتحليلاته للغرب وقضايا التجديد. وقد أعاد د. أمين مؤخرًا نشر المقال بجزئيه على صفحته في الفيسبوك، خاتمًا كلامه بعبارة: “ثم لنا من بعد الكلام كلام بإذن الله”. وفي هذا المقال، أقدّم ردي بشكل أكاديمي محض، بعيدًا عن المهاترات والجدل العقيم، مع احترام كامل لمقال الدكتور أمين، مهما اختلفنا معه في الرؤى والتصورات.
حين يختلف مفكران تجمعهما تجربة فكرية واحدة، فإن الخلاف لا يكون بشأن الأشخاص بقدر ما يكون بشأن المعاني. وحين يتجادل العقل مع العقل، لا يعود الجدل ساحة للغلبة، بل فضاءً للمساءلة. ومن هذا الأفق وحده ينبغي أن يُقرأ مقال د. أمين حسن عمر، لا بوصفه خصومة شخصية، وإنما بوصفه علامة على تحوّل فكري مؤلم، لأن الألم في الفكر – دائمًا – أصدق من الألم في المصالح.
غير أن الألم، مهما كان صادقًا، لا يُبرّر أن تنقلب الأسئلة إلى اتهامات، ولا أن يُختزل التطور الفكري في سردية “الخيانة”، ولا أن يُقاس الوعي بمسطرة الاصطفاف. فالفكر، في جوهره، لا يعرف المعسكرات، ولا يقيم في الرايات، بل يسكن القلق النبيل الذي يحفِّز العقول على المراجعة.
ليس عسيرًا على القارئ المتأمّل أن يلمح مقدار التوتّر في خطاب د. أمين: غضب مكبوت، وأسف لا يُقال، وحنين خفيّ إلى صورة قديمة للمحبوب عبد السلام، كما كان، لا كما صار. غير أنّ المشكلة ليست في الغضب ذاته، بل في الطريق الذي يسلكه، حين يتحوّل من سؤال فكري إلى محاكمة أخلاقية، ومن نقد تنظيري إلى فرز عقدي.
إنّ السؤال المركزي في هذه القضية ليس: في أي معسكر يقف المحبوب؟ بل: في أي أفق يفكّر؟ الفارق بين المفكر والحزبي أن الأول يعيش في السؤال، بينما يسكن الثاني في الإجابة الجاهزة. والمفكر لا يحرس المواقع، بل يحرس المعاني، ولا يقيس صدق الأفكار بعدد الأتباع، بل بعمق الأسئلة.
لقد انطوى خطاب د. أمين – من حيث لا يريد – على افتراض ضمني خطير، مفاده أن التفكّر في العقل، والحرية، والإنسان، هو ضرب من “الاغتراب الثقافي”، أو من “الانحياز الليبرالي”، وكأن الليبرالية نقيض الإيمان، أو كأن العقل خصم الوحي. وهذا افتراض يصطدم لا ببنية الفكر الحديث فقط، بل بالنص القرآني ذاته الذي جعل التفكّر طريقًا للإيمان، وجعل التعقّل شرطًا للتكليف. فالقرآن لم يُخاطب أتباعًا، بل خاطب عقولًا. ولم يؤسّس جماعة، بل أسّس وعيًا. ولم يُنشئ قطيعًا، بل كوّن إنسانًا مسؤولًا. والتفكّر في التصور القرآني ليس ترفًا فلسفيًا، بل عبادة عقلية صريحة، ترددت أصداؤها مرارًا في النصّ المؤسس: {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون}، {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون}، {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون}. فإيمان بلا تفكّر هو إيمان هشّ، وتديُّن بلا عقل هو طقس بلا روح.
حين ندير النظر في تاريخنا العقلي، نجد أن الإسلام لم يكن يومًا دين الامتثال الأعمى، بل حضارة النقد والتساؤل والاجتهاد. من الغزالي إلى ابن رشد، ومن ابن سينا إلى الفخر الرازي، ومن ابن خلدون إلى الشاطبي، كانت العقول تعمل والزمن يتحرّك، ولم يكن أحدٌ منهم يصادر السؤال بحجة “السمع والطاعة”، ولا يُجرّم التفكير بدعوى الحفاظ على اليقين. فكيف لنا اليوم أن نحاكم مفكرًا بتهمة التفكّر؟
أما الدكتور المحبوب عبد السلام، فلم ينتقل من الإسلام إلى الليبرالية، بل انتقل من الإسلام المؤدلج إلى الإسلام الإنساني. لم يهجر الدين، بل أعاد اكتشافه خارج خطاب الاحتكار. ولم يستبدل العقيدة بالاقتصاد، بل أنقذ العقيدة من أن تغدو أداة سلطة. وهو حين غادر التنظيم لم يغدر به، بل غادر تصوّره القديم للعالم. ولم يغلق بابًا، بل فتح نافذة. ولم ينقلب على يقين، بل واجهه. ثمّة فرق بين من يخرج هربًا، ومن يخرج تقويمًا. بين من يُغادر خوفًا، ومن يُغادر وعيًا. والمحبوب من الصنف الثاني.
ولم تكن علاقته بالراحل الدكتور حسن الترابي، كما يُصوّر أحيانًا، علاقة ذوبان فكري، بل علاقة جدل حي، كان يعبّر عنها في أكثر من مقام بقوله المأثور عند أهل التصوف: “أنا لستُ كالميت بين يدي غاسله”، في إشارة بليغة إلى أن التبعية العمياء موت للعقل، حتى حين تصدر عن حبّ أو تقدير.
وللتذكير، كان الدكتور أمين نفسه من أقرب الناس إلى الدكتور المحبوب على المستوى الإنساني، وكان منزله في حي الركابية بأم درمان شاهداً على عمق تلك العلاقة وصدقها. ومن هذا المنطلق، فإن نقل الخلاف من دائرة الفكر إلى مناخ الاتهام لا يخدم الحقيقة، بل يعرقلها، لأن ما ينبع من القرب يجب أن يكون أرقى وأوسع، لا أضيق، كما يذهب بعض التفسيرات التي ترى أن اختلاف الرأي أحيانًا يفسد الود.
ومن المفارقات اللافتة أن د. أمين يشير إلى أن بعض أعضاء حركة “قحت” صاروا، في نظره، أحبته وأهل خاصته، ويكتب عنهم باهتمام وحرص واضحين. وهذا التحوّل في التقدير لمجموعة كانت جديدة على تجربة المحبوب الفكرية يعكس مرة أخرى كيف تتحول الولاءات من الانتماء الفكري إلى الانتماء الحزبي، ومن السؤال النقدي إلى تصنيف الأشخاص حسب المعسكر.
أما استدعاء اسم مالك بن نبي في هذا الجدل، فقد جاء في غير موضعه، إذ أُريد له أن يكون شاهد إدانة، فإذا به شاهد دفاع. فالرجل لم يكن داعية انغلاق، ولا منظر حزب، بل فيلسوف نهضة يرى أن العطب الحقيقي في “القابلية للاستعمار” قبل أن يكون في الاستعمار ذاته، وأن الإصلاح يبدأ من الفكرة لا من الغلبة. وهنا يلتقي رهان المحبوب مع رهان مالك بن نبي: كلاهما يرى أن المأزق مأزق عقل قبل أن يكون مأزق واقع، وأن النهوض يبدأ من داخل الإنسان قبل أن يُطالَب به الخارج.
وأما الاستشهاد بمفكري الغرب، فلا ينبغي أن يُقرأ بوصفه افتتانًا حضاريًا، ولا هجرة فكرية، بل بوصفه قراءة في “التجربة الإنسانية الكبرى”، حيث تتقاطع الأسئلة، لا الهويات، وتُختبر الأفكار لا الأديان. فالفكر لا وطن له إلا الحقيقة، ولا جنسية له إلا المعنى، والمفكر لا يستشهد ليقلّد، بل ليقارن، ولا يقتبس ليذوب، بل ليستبين.
حين يُستدعى جون لوك، وهو الذي رأى أن الذات ليست جوهرًا ثابتًا بل بناء يتشكّل عبر الوعي بالخبرة، فإن الغاية ليست تعظيم الغرب، بل تفكيك سؤال الإنسان في علاقته بذاته، لا بعلمه أو انتمائه فقط.
وحين تُستحضَر كلمات سقراط التي جعلت من التفكير رسالة الحياة: “لا يمكنني أن أعلّم أحدًا شيئًا، كل ما يسعني فعله هو أن أحثّه على التفكير”، فإنما يُراد ترسيخ حقيقة أن أعظم تعليم هو الذي يُحرّر، لا الذي يُلقّن.
وحين يُشار إلى رينيه ديكارت، فلا بوصفه فيلسوف أوروبا، بل بوصفه مؤسس الشك المنهجي طريقًا إلى اليقين، لا نقيضًا له، إذ لم يكن الشك عنده هدمًا للإيمان، بل تزكية للعقل من الرواسب.
ثم يجيء أرسطو ليقول إن “قوة العقل هي روح الحياة”، تأكيدًا على أن عطالة الفكر شكل من أشكال الموت.
ويأتي كانط ليؤكد أن الحس بلا عقل خواء، والعقل بلا تجربة عمى، فيما يذكّر باسكال بأن الإنسان ليس آلة عقلية صمّاء، بل كائن أخلاقي معقّد، له قلبٌ بقدر ما له عقل.
إن المحبوب حين يستحضر هؤلاء، لا يصنع منهم قرآنه، ولا يستبدل بهم مرجعيته، بل يُوسّع أفق النظر، ليُعيد الإسلام إلى مقامه الإنساني الواسع، لا إلى صورته الأيديولوجية الضيّقة. المفكر الذي يُغلق نوافذه عن العالم لا يحمي نفسه، بل يخنقها. والمفكر الذي يتحاور، لا يُفرّط في هويته، بل يُمتحن صدقها.
وأما الإسلام الذي يتجه إليه المحبوب اليوم، فليس إسلام التفريط، بل إسلام الاتساع. وليس إسلام الذوبان، بل إسلام المعنى. وليس دين السوق، بل دين الإنسان. وهو في ذلك لا يهدم العقيدة، بل يُحرّرها من قوقعة السياسة وخطابة المواقف.
وأخطر ما في خطاب الإدانة ليس النقد، بل إنكار حق المفكر في التحوّل. يُراد للمحبوب أن يبقى كما كان، لا أن يكون كما صار. وكأن العقل يجوز له أن يفكر مرة واحدة في العمر، ثم يُحكم عليه بالسكون الأبدي. لكن الفكر الحي لا يعرف الجمود، والمفكر الصادق لا يقيم داخل يقينه، بل عند حدوده.
إن د. أمين يكتب بدافع الغيرة، وهذه فضيلة، لكن الغيرة حين تفقد الحكمة تتحوّل إلى محكمة تفتيش، وحين تفقد العقل تصير عبئًا على الدين نفسه. المحبوب عبد السلام، سواء اتفقنا أو اختلفنا معه، لا يقاتل الإسلام، بل يقاتل نسخه الرديئة. ولا يهدم الدين، بل يُنقذه من أسره الأيديولوجي. ولا يعادي الأمة، بل يعادي الوهم الذي يعطّل نهوضها.
وما أحوج الفكر الإسلامي اليوم إلى مفكرين لا يخافون الأسئلة، ولا يرتجفون أمام المراجعة، ولا يُقيمون في المعسكرات بل في الحقيقة. سنختلف كثيرًا… لكن الاختلاف الصحي يُنضجنا، لا يُمزّقنا. يُؤلمنا… لكنه يُحرّرنا.




لقد خسرنا الكثير بفعل هذه الحرب
ولكن أري أننا قد كسبنا مفكرا حصيفا ومثقفا مفكرا وواعيا
واصل يا هذا فإن كتاباتك تثقفنا وتمتعنا
الفكرة تزدهر حين يتسع افق الحرية
ما دي نوع الأفكار والثقافة التي تجلب الحرية
الثورة الفرنسية الأهم في تاريخ العالم سبقها عملي تنويري عظيم
جان جاك روسو ومونتسيكو وعصر النهضة في الفلسفة الاوربية
أتمني أن يساهم هذا الكاتب في عصر نهضة سوداني
وعلينا جميعا المساهمة كل بما يستطيع
مقال جيد ورد وافى ومقنع .. فقط اختلف معك فى اطلاق لقب مفكر على امين حسن عمر ود المحبوب فى قولك (( حين يختلف مفكران تجمعهما تجربة فكرية واحدة )) .. بالمفهوم الديكارتى فإن التفكير ميزة الكائن البشرى .. انا افكر إذا أنا موجود .. الفرق بين إنسان وأخر هو كيفية استخدام العقل .. التفكير صفة يمارسها أغلب البشر ولكن مفكر لقب ذا دلالة وعمق لأن الفكر سياحة معرفية فى ملكوت الكون المطلق لا يطلق جزافا على كل من هب ودب .. سارتر , روسو , وغيرهم لم نجد فى أى دراسة شرقية او غربية مثل هذا اللقب امام اسماءهم .. مفكر ليست لقبا كدكتور واستاذ لا يجب ان تكون مستباحة .. تعودنا ان نطلق الألقاب دون استحقاق كافى .. مفكر , مبدع , عالم القاب تطلق ذات اليمين وذات الشمال ولكن لا نرى لها اثرا فى الواقع .. كيف نطلق لقب مفكر لمن حمل هوية ايدلوجية ينحاز اليها شعارها فلترق كل الدماء ويتماهى معها بما يخدم مصالحه وأغراضه ولا يعترف بفكر الآخر ويرفضه .. لقب مفكر ليست ثوبا يلبسه كل من استطاع الشراء .. ما نعيشه من مأساة يؤكد الا فرق بين المثقف امين حسن عمر والمجرم حميدتى .. كلاهما يحملان القابا لا يستحقاها .. المفكر امين حسن عمر والفريق اول محمد حمدان دقلو !!!!!!!!
نقد موضوعي تمام
لك الشكر
كاتب أسلوبه مختلف عن البقية ويكتب بنمط متسق وثابت, لديه نظرة مستقلة للأمور ويحلل بعين ثالثة… شخصيا أجدني مشدود لما يخطه وأقرا ما يكتب بتمعن وهدوء..
صح لسانك يا باشا
شكراً لك د. معاوية ماجد
مقال ممتاز جداً لانه يخلو من السب والشتم والاساءة للكيزان أو القحاطة أو غيرهم كالكثير من المقالات.
نحتاج الى خطاب يحترم الآخر مهما كان حجم الخلاف والاختلاف.
ليت غيرك يتعلم منك.
شكراّ لك مرة اخرى