مقالات وآراء

بين الاعتقاد والسلطة: الإسلام السياسي ومأساة الوطن

 

م. معاوية ماجد

ليست المعرفة تراكمًا محايدًا للمعلومات، ولا زينة فكرية تستعرض في فضاءات الثقافة، بل هي — كما يبين الفيلسوف الاسكتلندي دنكان بريتشارد في كتابه ما المعرفة؟ — جوهر علاقتنا بالعالم، ومعيار التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين الفهم والتضليل، وبين السياسة بوصفها رعاية للشأن العام والسلطة بوصفها افتراسًا منظمًا. فالمعرفة ليست أداة تقنية، بل قيمة أخلاقية ومعيار سياسي في آن؛ إذ لا تقوم دولة رشيدة بلا معرفة، ولا تستقيم سلطة بلا وعي، ولا يصان مجتمع بلا اعتراف بحقيقته وتعدده.

من هذا المنظور، يصبح سؤال الحكم في السودان سؤالًا إبستمولوجيًا بامتياز: هل حكمت الحركة الإسلامية هذا البلد بمعرفة حقيقية بتاريخ مجتمعه وبنيته، وتكوينه الإثني والثقافي، وتعقيداته الإقليمية؟ أم حكمته بوهم «اليقين» الذي يقدم الأيديولوجيا بدلًا عن الواقع، والشعار بدلًا من الحقيقة؟

السودان ليس كيانًا بسيطًا يحشر في قالب واحد، ولا مساحة تختزل في هوية أحادية صلبة. هو تاريخ طويل من التداخلات الإثنية، والتفاعلات الثقافية، والتعددات اللغوية، والمرجعيات الدينية المتجاورة في جغرافيا واحدة مثقلة بالذاكرة، والغبن التاريخي، والتنوع الاجتماعي. إن الحديث عن السودان بوصفه مجتمعًا متجانسًا ليس سوى ضرب من العمى البنيوي؛ إذ يقوم هذا البلد في أساسه على التعددية العرقية (Ethnicity) بما تعنيه من وجود جماعات ذات أصول وثقافات ولغات متميزة، وعلى التعددية الثقافية (Multiculturalism) بوصفها الإطار الذي يفترض أن ينظم التعايش الخلاق بين هذه الجماعات، لا أن يسعى إلى محوها أو صهرها قسرًا.

ومع ذلك، جاءت الحركة الإسلامية إلى الحكم مسلحة بلغة «المشروع الحضاري»، لكنها كانت عارية من الفهم الجاد لمعادلة التعدد هذه. لم تنظر إلى التنوع بوصفه شرطًا للوجود الوطني، بل تعاملت معه باعتباره خطرًا عقائديًا وأمنيًا وأخلاقيًا. فكان التناقض منذ اللحظة الأولى فادحًا: سلطة تزعم امتلاك الحقيقة وتحكم شعبًا لا تعترف بتعدده؛ ودولة ترفع شعارات الكليات وتبني سياساتها على أوهام المجردات.

لم يكن الإخفاق الأول سياسيًا فحسب، بل كان في جوهره إخفاقًا معرفيًا. فالجهل بطبيعة السودان الاجتماعية لم يظهر في تفاصيل الإدارة وحدها، بل انكشف في الرؤية الكلية للدولة نفسها. أُسقطت على البلاد هوية معلبة، وصار التنوع «انحرافًا»، والاختلاف «فتنة»، والخصوصيات الثقافية «زوائد» على نص مركزي تحتكر السلطة تأويله. وهكذا تحولت التعددية العرقية (Ethnicity) من كونها معطًى إنسانيًا حيًا إلى عبء سياسي تدار به الدولة بروح أمنية لا برؤية اجتماعية، وبوسائل القمع لا بسياسات الاعتراف. وعندما تُعامل الجماعات بوصفها «مشكلة قومية» لا بوصفها مكونًا أصيلًا في الوطن، تكون الدولة قد وضعت أول مسمار في نعش وحدتها التاريخية.

أما التعددية الثقافية (Multiculturalism)، فلم تفهم بوصفها نموذجًا حضاريًا لإدارة الاختلاف، بل شُوهت باعتبارها تهديدًا لوحدة متخيلة تعرف الأمة تعريفًا أحاديًا ضيقًا. لم تُبن مؤسسات تعكس المجتمع كما هو، بل صُممت دولة على صورة التنظيم الأيديولوجي. وبقدر ما ابتعدت السلطة عن واقع الناس، اقتربت أكثر من خطابها المغلق، حتى صارت تخاطب ذاتها وتصدر قراراتها كما لو كانت تحكم فراغًا إنسانيًا، لا مجتمعًا من اللحم والخبرة والذاكرة والخذلان.

وفي بعدها الإبستمولوجي، أخطأت الحركة الإسلامية في تعريف «المعرفة» السياسية ذاتها؛ إذ استبدلت بها «اليقين الأيديولوجي». لم تدرك أن المعرفة في الحكم ليست إيمانًا عقائديًا، بل اختبارًا مستمرًا للتجربة، واستعدادًا للتراجع، وقدرة دائمة على تصحيح المسار. وحين طُلب من الواقع أن يذعن للنص، وعصى الواقع، لم تراجع الفكرة، بل كُسر الإنسان. وهكذا انتصرت النظرية على الحياة، فماتت الحياة.

وفي الإقليم، أعادت السلطة إنتاج الجهل ذاته بلغة العلاقات الدولية، فاستبدلت منطق المصالح بمنطق المحاور، والحسابات الجيوسياسية بالشعارات العقدية. فخسر السودان موقعه الطبيعي، وضاعت فرصه الاستراتيجية، واتسعت عزلته السياسية. والدولة التي تجهل موقعها في العالم لا تستطيع حماية نفسها من العالم.

أما في الاقتصاد، فقد بلغ العمى المعرفي ذروته حين تحولت الدولة إلى «غنيمة». صارت السياسات أدوات نهب، وغدت المؤسسات واجهات للثراء الطفيلي، لا لخدمة الصالح العام. لم يكن الفساد عارضًا إداريًا، بل بنية أصيلة في نظام يرى الوطن موردًا للاستغلال لا فضاءً للعدالة. ولم تعد المعرفة سوى لفظ أجوف في خطاب، بينما الواقع استباحة منظمة لمعاش الناس وأمنهم الاجتماعي.

ثم جاءت ثورة ديسمبر لتفضح هذا كله دفعة واحدة. انكشفت هشاشة المشروع، وتهاوى ادعاء الأخلاق، وبدت الدولة فارغة من أي شرعية عقلانية أو إنسانية. فجاء الرد حربًا، لأن السلطة التي تجهل مجتمعها لا تحاوره، بل تحاربه. وحين اشتعلت النار، لم تكن حادثة طارئة، بل الخاتمة المنطقية لمسار طويل من الجهل والعسكرة والإقصاء.

ما جرى في السودان ليس مجرد تجربة حكم فاشلة، بل مأساة معرفية قبل أن تكون سياسية. درس قاس في تاريخ الأمم: حين تدار الدول بلا فهم لبنياتها الاجتماعية، يتحول الوطن إلى مختبر، ويتحول المواطن إلى كلفة. لقد حكمت الحركة الإسلامية السودان بجهل مدجج باليقين، ويقين معادٍ للإنسان.

إن خلاص السودان لا يكون بابتكار شعار جديد، بل ببناء عقل جديد. ليس «مشروعًا حضاريًا» آخر يفرض من فوق، بل مشروع معرفة يصاغ من الواقع: بالاعتراف بالتعددية العرقية (Ethnicity)، واحترام التعددية الثقافية (Multiculturalism)، وإعادة تعريف السياسة بوصفها فن إدارة الاختلاف لا إلغاءه، وحراسة التنوع لا تأديبه، وبناء الدولة على الفهم لا على الفرض.

فالمعرفة ليست رفاهية فكرية، بل شرط نجاة. ومن يخن المعرفة، يخن الوطن؛ ومن يصالحها، يعيد للدولة معناها، ويمنح الشعب فرصة حياة تقوم على الاعتراف، لا على الخوف، وعلى الكرامة، لا على القهر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..