مقالات وآراء

حروب الاستنزاف وحصد الموارد (1–1)

صدام البدوي يوسف

حينما فقدت جمهورية اليمن تماسكها الأمني، وانزلقت إلى دوامة الصراع الدموي وتعدد المليشيات، كان ذلك جزءًا من مشروع إمبريالي دموي هدفه تفكيك الجيوش وتحويلها إلى آلات حرب عشوائية تستنزف الحياة البشرية والصناعية. دخل الخليج الحرب كوسيطٍ بالدعم المادي بصورة فاحشة، فتحولت اليمن إلى ساحة مفتوحة للمرتزقة. غير أن الخطر الأكبر لم يكن في السلاح والدم وحدهما، بل في عمليات تصفية الشخصيات المؤثرة داخل الجمهورية بذكاء استخباراتي مريب.

لم تكن تلك الحلقة سوى جزء من مشروع “الاستعمار الناعم” الذي ضرب العراق وسوريا وليبيا… وها هو اليوم يطوّق السودان.

السودان كان هدفًا مبكرًا؛ فحرب الجنوب في تسعينيات القرن الفائت لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل حلقة من حلقات الاستنزاف. جرى تمويل الجنوب وتسليحه ليكون وقودًا لحرب طويلة تستنزف حكومة الإنقاذ وموارد الدولة الاقتصادية والبشرية. وحين انتهت الحرب لم تنته المؤامرة؛ فمشروع الحركة الشعبية فقد رأس رمحه وتحول إلى مجرد تاريخٍ عابر، ثم أُنجز الانفصال تحت رعاية مخابراتية وضغوط دولية.

كان ذلك سلامًا سياسيًا فصل السودان جغرافيًا، لكنه لم يفصل الشعبين اجتماعيًا. ومع ذلك حقق المشروع الصهيو-أمريكي اختراقًا استراتيجيًا باقتطاع مناطق حيوية غنية بالمياه والموارد، وظل الجنوب منذ ذلك الوقت ساحة لعب استخباراتي مفتوح، وقد ينتهي الأمر بتفكيكه من الداخل ونقل الصراع إلى دول أخرى.

بعد الجنوب والانفصال، فُتح باب جديد على أغنى أقاليم السودان: دارفور.
تدفقت الأسلحة عبر ليبيا، ونُفّذت “حرب الهامش”، وظهرت الجماعات العرقية الكبرى في الساحة: الزغاوة والفور. تحولت دارفور إلى محرقة جماعية، واستُهلك المجتمع الدولي بقضيتها، وأصبحت العقوبات سلاح ابتزاز ضد حكومة الخرطوم، التي خسرت مليارات من مواردها تحت الضغط الخارجي.

هكذا اتضح أن حرب دارفور حلقة أخرى من مسلسل الاستنزاف.

ثم جاءت الثورة، واجتمع على الساحة كل أمراء الحرب. لم يتحقق سلام حقيقي، بل وُقّعت صفقات مصالح متقاطعة اقتصاديًا وسياسيًا. بعدها وضع الغرب “البالون” المسمى بالاتفاق الإطاري. لم ترض الحركات به، ولا نخبة الجيش قبلته، والغرب لم يرده أصلًا إلا كأداة لإشعال التناقض. كان الاحتقان يتصاعد قبل حرب 15 أبريل، وكل طرف يتهيأ لإقصاء الآخر.

اندلعت الحرب في قلب السودان، فانكشف الانهيار الشامل للدولة ورُوّع الناس. نُسبت الحرب للإسلاميين والدعم السريع، غير أن الحقيقة الأعمق أن الغرب حقق خلالها أعظم أهدافه: جرّ الصراع إلى مركز الثقل السوداني.

المشروع الذي فشل فيه قرنق والحركات المسلحة، نفذه الدعم السريع بفتح الباب أمام السلاح والمرتزقة، لتصبح الحرب الأكبر في تاريخ السودان.

أُبيد البشر، وعمّ الجوع والفقر والقهر، وبلغ النزوح والموت مستويات غير مسبوقة. وتلك هي اللعبة التي سعت القوى الصهيونية لتنفيذها منذ عقود.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..