مقالات وآراء

تفاهمات هجليج هل تفتح الأبواب ؟

خالد فضل

من باب القراءة الإيجابية لسيطرة قوات الدعم السريع/تأسيس على حقول النفط في منطقة هجليج بولاية غرب كردفان , دعونا نتأمل المشهد , فبقدر ذهاب التحليلات في اتجاهات استراتيجية , أو مدد دموي للحرب كما ذهب الأستاذ عثمان فضل الله في كلمة له منشورة على مجلة أفق جديد تعقيبا على مقال الدكتور الواثق كمير , فإنّ ملمحا للأمل يطل بين ثنايا العتمة , فإنّ ما تم من تفاهم ثلاثي بين سلفاكير _ حميدتي _البرهان على ترتيبات انسحاب الجيش ودخول الدعم السريع ومن ثمّ انفتاح قوات جيش دفاع جنوب السودان لتأمين المنشئات النفطية أولا وضمان انسياب النفط لاحقا , بحسب تصريحات الفريق أول بول نان رئيس هيئة الأركان في جيش دفاع جنوب السودان , فإنّ هذا الإتفاق يفتح الباب لإمكانية التفاهم بين بورتسودان وتيالا , , وهو الباب الذي ظل موصدا من جانب الجيش ؛ تعبويا على الأقل .

هنا نعود إلى بداية القرن الحالي عندما نجح القس الأمريكي دانفورث في إبرام تفاهم بين السلطة الإسلامية بقيادة المشير عمر البشير والجيش الشعبي بقيادة الراحل د. جون قرنق في عقد هدنة مراقبة في مناطق جبال النوبة , وتم بالفعل وقف إطلاق النار بناء على ترتيبات عسكرية تضمنت تكوين ما عرف باللجنة العسكرية المشتركة لوقف إطلاق النار وضمّت عناصر من القوات المسلحة والجيش الشعبي وعناصر أممية وكانت قيادتها لجنرال سويدي اسمه ويلهمسون , مع وجود بعثة فنية تشمل الإعلام .
تم توزيع تلك القوات المشتركة على 14 موقع غطت كل المنطقة , مع تمركز قيادتها في منطقة تيلو بالقرب من كادوقلي , ويضم كل معسكر 12ضابط أربعة من كل طرف . لقد كانت بروفة ناجحة للترتيبات الأمنية واتفاق وقف إطلاق النار فيما بعد ضمن برتكولات اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) 2005م . الآن هل يمكن النظر إلى تفاهمات هجليج باعتبارها مدخلا ملهما لتفاهمات قادمة , تبدأ من جبال النوبة كذلك ووفقا لمقترح القوى المدنية بالولاية بخصوص حماية المدنيين في كادوقلي والدلنج بانسحاب الجيش وحلفاؤه منها دون قتال وتسليمها للجيش الشعبي ؛ فهو الأجدر والأقدر بحماية المدنيين من أي طرف آخر . خاصة وأنّ فكرة الفصل بين القوات المتقاتلة كانت قد طرحت مبكرا بوساطة الإيغاد في الشهور الأولى للحرب , وكان مقترح الإيغاد ينص على إخلاء الخرطوم من الطرفين لمسافة 50 كلم , وجعل الخرطوم منطقة منزوعة السلاح على أن تتولى قوات من دول الإيغاد أو الإتحاد الإفريقي حماية المدنيين والمنشئات المدنية في الخرطوم ريثما يتم الإتفاق على وقف الحرب نهائيا , قوبل ذلك المقترح بهجوم عنيف من جانب قيادات في الجيش على رأسهم الفريق ياسر العطا , الذي هدد الرئيس الكيني روتو باجتياح بلاده إن أقدم على إرسال قوات كينية لهذا الغرض , فيما وصفها السيد مالك عقار بأنها إحتلال .

لقد كان المقترح يسعى لحماية المدنيين والأعيان المدنية , وهي السردية التي تنطلق ضد الدعم السريع بأنه يستهدف المواطن والمرافق المدنية , ولهذا يأتي الإصرار على الحرب من أجل حماية المواطن ومنشئاته , دون الإنتباه بأنّ هذه السردية سقطت بشكل مكرر في كل انسحابات الجيش ومليشياته من المدن والبلدات والولايات تاركا المواطن ومنشئاته تحت رحمة خصمه الدعم السريع , لتاتي مرحلة المتاجرة الإعلامية بتلك المعاناة الشعبية , لدرجة انتحال صفوف نازحين سيرا على الاقدام لمئات الكيلومترات في ليلة واحدة كما إذاعت قناة الجزيرة تقريرها عن بابنوسة مؤخرا واضطرت لسحبه , وكما أشيع عن صفوف الفارين من الفاشر إلى المديرية الشمالية مما لم تثبته آليات التثبت وصور الأقمار الصناعية التي ترصد ما دون الأفواج البشرية ؛ مثل برك الدم في الفاشر , والقبور , لكنها لم تلتقط صورا لحشود بعشرات الآلاف سيرا على الأقدام أو مركبات لليال طوال !!

صحيح من ناحية أخلاقية , بدت الصورة كما لو أنّ حماية المنشئات النفطية أكثر أهمية من حماية الأرواح البشرية , ومن ناحية سيادية متوهمة يبدو أنّ جيش جنوب السودان (وليّ حميم) فيما قوات إقليمية إفريقية متعددة الجنسيات تعتبر استعمار مما تحمله القصة من مفارقات , لكنها بالطبع مفارقات ليست غريبة على طبيعة السلطة الإسلامية التي تحكم البلاد منذ 1989م بالحديد والنار أي بالجيش وجهاز الأمن وغطاء التضليل الإعلامي , فقد تداعى الإسلاميون لحرب ضد جمهورية جنوب السودان الوليدة يومها وهي بعد في المهد , وأصدر برلمانهم ؛ المجلس الوطني تشريعا هو الأول من نوعه على مدار التاريخ السوداني منذ الإستقلال بإعتبار جنوب السودان دولة معادية وإعلان شن الحرب عليها بكل السبل لدرجة تصريح علي عثمان محمد طه نائب البشير بأوامره للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية ب ( أضرب لتقتل ) كل سيارة تجارية تحمل مؤنا غذائية أو أدوية مهرّبة لإسعاف المدنيين الجنوبيين وانقاذهم من الموت جوعا ومرضا . وبلغت التعبئة ضد جمهورية جنوب السودان مدى إعلاميا هائجا لم يوفر حتى الفنانين الذين ارتدوا البزّات العسكرية وهم يتمايلون على منصة المسرح يغنون للوطن المكلوم , والسيدة سناء حمد تنتشر صورتها مرتدية الثوب النسائي البديع تتمنطق بالبندقية الكلاشنكوف وسط الجنود ؛ وهي بعد وزيرة في الثقافة والإعلام !! ثم ما جرى ويجري الآن على وقع حرب 15أبريل الهادفة لإعادة البريق للحركة الإسلامية كما قال عبدالحي يوسف , وكما أكّد أحمد عباس والي سنار الأسبق وهو يحدد نسبة 75% من المقاتلين الآن في صفوف الجيش بأنهم حركة إسلامية . في حين نشرت أخبار عن تصفيات طالت مواطنين جنوبيين في مدينة ودمدني عقب انسحاب الدعم السريع منها وسيطرة كتائب الجيش ومليشياته عليها مما استدعى ردة فعل غاضبة في جوبا حيث هوجم بعض السودانيين اللاجئين إلى هناك وأحرقت بعض المحال قبل أن يرتفع صوت حكماء الجنوب فيوقف المحرقة في حينها . مع كل ذلك , يبدو شعب وحكومة جنوب السودان أقدر على التسامح , وأنبل في التعامل , إن إبرام تفاهم ثلاثي حول حقول النفط يجب أن يتسع ليشمل من هم أرفع قيمة من الآلات , الناس وأرواحهم التي تزهقها الحرب بلا هوادة , من باب أولى استثمار فرصة التفاهم على الماديات لتوسيع التفاهم حول الغاية من كل هذه الثروات ؛ الإنسان , الذي لاقى ما لاقى من هوان . فهل تكون تفاهمات هجليج مدخلا لتفاوض قادم يوقف إطلاق النار بموجب خارطة الطريق الرباعية , ومن بعد افتراع المسار السياسي الراشد الذي يعيد البلاد إلى منصة التأسيس الراسخة بعد إزالة أوشاب الأرض ومتاريس القبح من سلالات الإرهابيين , سفّاكين الدماء , الطامحين للحكم على الأشلاء .. هل ؟

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..