مقالات وآراء
هل تكون الدولة الدستورية نقطة الالتقاء؟.. «تأسيس» و«صمود» والإسلاميون الديمقراطيون بعد انحسار دور البندقية

إذا نجحت الضغوط الدولية في تغيير بنية النظام، لا مجرد تغيير رموزه، فإن السؤال الذي سيتبادر إلى الأذهان هو: من يملأ الفراغ الذي يتركه البرهان؟ غير أن هذا السؤال، على أهميته، قد يقودنا إلى الفخ ذاته الذي وقع فيه السودان مراراً: البحث عن بديل في الأشخاص لا في القواعد. فالسؤال الأجدر هو: على أي أساس يُملأ هذا الفراغ؟ وهل يمكن أن تصبح الدولة الدستورية نقطة الالتقاء بين كافة الفرقاء، بما يحوّل لحظة التغيير إلى لحظة تأسيس؟
هذا السؤال لم يعد افتراضاً بعيداً عن مجرى الأحداث. فإذا تصاعد الضغط الأميركي والدولي إلى الحد الذي تصبح معه مواصلة الحرب ورفض وقفها أكثر كلفة على السلطة العسكرية في بورتسودان، فقد لا ينتهي الأمر بإزاحة بعض الوجوه فحسب، وإنما بفتح ثغرة في البنية التي ظلت تحكم السودان بمنطق القوة منذ عقود.
والولايات المتحدة تملك أدوات لا يملكها طرف إقليمي آخر: القدرة على الجمع بين ملفات السلاح والعقوبات والتمويل والمؤسسات المالية الدولية والأمم المتحدة، وربطها بمصر والخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. تستطيع أن ترفع كلفة البقاء، وأن تضغط على الحلفاء والخصوم، وأن تفتح مسارات دبلوماسية، لكنها لا تستطيع أن تبني الدولة السودانية بالوكالة.
يمكنها أن تفتح الباب، لكن من يدخل منه، وبأي مشروع، وبأي شرعية، يظل شأناً سودانياً.
وهنا تبدأ المسألة الحقيقية. فإذا تراجعت سلطة البندقية، فإن المساحة السياسية التي احتكرتها القوة لن تبقى بلا حامل طويلاً. ستتقدم إليها قوى تملك تنظيماً، أو شرعية، أو امتداداً اجتماعياً، أو قدرة على مخاطبة الخارج. لكن التحدي لا يكمن في الوصول إلى السلطة بقدر ما يكمن في تحويل لحظة التغيير إلى لحظة تأسيس؛ أي في منع السودان من إعادة إنتاج الدولة القديمة بوجوه جديدة.
ومن هذه الزاوية، فإن البحث عن المستقبل لا ينبغي أن يبدأ من أسماء الأشخاص، وإنما من القوى التي تمتلك، بدرجات متفاوتة، مقومات الانتقال من المعارضة إلى البناء. وهي ليست كتلة واحدة، ولا يجمعها بالضرورة برنامج سياسي واحد، لكن بينها دوائر يمكن أن تتقاطع إذا وضعت تأسيس الدولة فوق شروط الاصطفاف، والتقت عند قواعد واحدة.
في مقدمة هذه الدوائر تأتي «تأسيس».
ولا تأتي أهمية «تأسيس» من كونها بديلاً جاهزاً ينتظر لحظة الانقضاض على السلطة، ولا من كونها ممثلاً حصرياً للمجال المدني، وإنما من محاولتها جمع قوى سياسية ومدنية ومهنية وحركات مسلحة في إطار سياسي واحد، وطرح مشروع «حكومة السلام والوحدة» ودولة مدنية ديمقراطية لا مركزية تقوم على المساواة.
لكن قوة الفكرة لا تعني اكتمال التجربة. فالتحالفات السياسية تستطيع، أحياناً، أن تجمع المختلفين تحت سقف واحد أسهل مما تستطيع أن تنتج بينهم مشروعاً مستداماً للحكم. والامتحان الحقيقي أمام «تأسيس» لن يكون في قدرتها على جمع المكونات، وإنما في قدرتها على تحويل هذا الجمع إلى شرعية مؤسسية تتجاوز التحالف نفسه.
فالتحالف الذي يجيد مقاومة الدولة القديمة ليس بالضرورة قادراً على إدارة الدولة الجديدة. وبين المهمتين وادٍ كامل من الأسئلة المتعلقة بالدستور، والجيش، والموارد، والإدارة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وكيفية إنتاج الشرعية بعيداً عن المحاصصة والغلبة.
ولهذا فإن قيمة «تأسيس» ستتحدد، في نهاية المطاف، بقدرتها على الإجابة عن سؤال يتجاوز تشكيل الحكومة: كيف يمكن بناء دولة لا تحتاج إلى تحالف مسلح أو جماعة أيديولوجية أو مركز سياسي لكي تستمر؟
ثم تأتي الدائرة الثانية: «صمود».
فـ«صمود» تدخل هذه المرحلة برصيد مختلف؛ حضور سياسي وإعلامي، وشبكة من العلاقات المدنية والسياسية، وخطاب واضح حول وقف الحرب والتحول المدني الديمقراطي وإعادة بناء الدولة، إلى جانب موقف معلن من مشاركة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وواجهاتهما في العملية السياسية المقبلة.
غير أن السودان الذي سيخرج من الحرب لن يكون سودان المنصات السياسية وحدها.
سيكون سودان الريف الذي دفع الثمن، والأقاليم التي عاشت الحرب بعيداً عن عدسات الكاميرات، والنازحين الذين فقدوا البيوت والموارد، والمجتمعات المحلية التي لم تنتظر بيانات العواصم لكي تعرف معنى الحرب، وملايين السودانيين الذين ظلوا، لأسباب مختلفة، خارج الاصطفافات المدنية القائمة.
ومن ثم فإن التحدي أمام «صمود» لا يتعلق بإثبات مدنيتها، وإنما بتوسيع هذه المدنية لتصبح مشروعاً وطنياً واسعاً يصل إلى الناس حيث عاشوا الحرب، ويقنعهم بأن الدولة المقبلة لن تكون مجرد إعادة توزيع للسلطة بين نخب المركز، بل عقداً جديداً يجعل الأقاليم والمجتمعات شريكة كاملة في الدولة.
وهنا تحديداً يظهر الفرق بين الحركة السياسية والمشروع الوطني. فالأولى تستطيع أن تحشد أنصاراً حول موقف أو برنامج، أما الثاني فعليه أن يخاطب من لم يدخلوا السياسة أصلاً؛ المزارع في الجزيرة، والنازح في دارفور، والعامل في كسلا، والرعاة في كردفان، وأهل القرى التي لم يصلها صوت الخرطوم إلا في صورة جند أو ضريبة أو أمر إداري.
السودان المقبل لن يُبنى في العاصمة وحدها، ولذلك فإن أي مشروع مدني لا يستطيع أن يجعل الريف والأقاليم طرفاً في صناعة الدولة سيظل، مهما اتسع خطابه، أسير الجغرافيا السياسية القديمة.
ثم تأتي الدائرة الثالثة، وهي الأكثر حساسية: الإسلاميون الذين يقبلون بالدولة الديمقراطية.
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين. فليس كل من انتسب في مرحلة ما إلى التيار الإسلامي كتلة سياسية واحدة، كما أن الخروج من دولة الإسلاميين لا ينبغي أن يعني إنتاج دولة تقوم على إقصائهم جميعاً.
المعيار ليس الاسم، وإنما الموقف من الدولة والدستور والسلاح والتعدد السياسي.
فمن يقبل بدستور أعلى من الجماعة، وجيش وطني لا ذراعاً لحزب، وتداول السلطة، والمواطنة المتساوية، وأن يكون الدين مجالاً للعقيدة والضمير والمجتمع لا وسيلة لاحتكار الدولة، يدخل المجال السياسي باعتباره تياراً سياسياً، ويُحاكم إلى القواعد نفسها التي يُحاكم إليها غيره.
أما رفض هذه القواعد، فالمشكلة فيه ليست في الإسلام ولا في التدين، وإنما في رفض المبدأ الذي يجعل الدولة أكبر من الحزب والجماعة والتنظيم.
وهذا التفريق ضروري، لأن بناء دولة ديمقراطية لا يعني استبدال احتكار ديني باحتكار مضاد، ولا تحويل الديمقراطية إلى أداة لإقصاء تيار كامل من المجال العام. الدولة الديمقراطية لا تسأل المواطن عن عقيدته قبل أن تمنحه حقوقه، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح لأي عقيدة أو حزب أو جماعة بأن تجعل نفسها فوق الدستور أو فوق الدولة.
وبذلك يصبح الالتزام بقواعد اللعبة هو معيار المشاركة، لا الهوية الأيديولوجية وحدها.
وقد يبدو جمع هذه الدوائر الثلاث في فضاء سياسي واحد ضرباً من الترف، خصوصاً بعد حرب أكلت الثقة قبل أن تأكل المدن. لكنه يصبح ضرورة إذا كان البديل هو أن يتغير رأس النظام بينما تبقى بنيته العميقة كما هي.
فالسودان لا يحتاج إلى إجماع حول الماضي، وإنما إلى توافق حول المستقبل.
ليس مطلوباً من «تأسيس» أن تصبح «صمود»، ولا من «صمود» أن تتبنى «تأسيس»، ولا من الإسلاميين الديمقراطيين أن يتخلوا عن أفكارهم. المطلوب أبسط وأعمق: أن يتفق الجميع على قواعد تمنع أي طرف من تحويل الدولة إلى ملكية خاصة.
الشكل: الدوائر الثلاث ونقطة التقائها في الدولة الدستورية
وهنا تصبح الدولة الدستورية نقطة الالتقاء: دولة لا يكون فيها السلاح طريقاً إلى السلطة، ولا الثروة ثمناً للولاء، ولا الدين بطاقة عبور إلى احتكار الدولة، ولا المركز وصياً أبدياً على الأطراف.
فهل تستطيع هذه الدوائر الثلاث أن تلتقي عند هذه النقطة؟ الجواب لن يُكتب في واشنطن ولا في عواصم الإقليم، وإنما في استعداد السودانيين أنفسهم لأن يجعلوا الدستور، لا البندقية ولا الجماعة ولا المركز، هو ما يملأ الفراغ.


