أسدٌ على المواطن وفي الحرب نعامة

بقلم: محمد الحسن أحمد
بعد غيابٍ وهروبٍ مخزٍ أمام قوات الدعم السريع، عادت الشرطة لممارساتها في قمع المدنيين العزل؛ ذات القوات التي ولت الأدبار مع أول طلقة في الحرب، عادت لتستعرض عنفها في أول تظاهرة مدنية بمدينة أم درمان في ذكرى ثورة 19 ديسمبر.
كلما خرجت تظاهرات سلمية ضد العسكر خلال الفترة الانتقالية (التي وُئدت بالانقلاب المشؤوم)، أخرجت القوات العسكرية والأمنية أثقالها من مدرعات ورصاص وغاز مسيل للدموع، وحتى “السواطير”. لكن كل تلك المظاهر توارت مع أول طلقة حقيقية؛ فلزم الجيش ثكناته، فيما أضحت الشرطة أثراً بعد عين.
منذ أن توعد الإسلاميون بالحرب، ثم أشعلوها لتحرق أرض السودان وإنسانه، كان واضحاً أن الهدف الأكبر هو تصفية ثورة ديسمبر والقضاء على شبابها عبر الاعتقالات والإعدامات خارج نطاق القانون. كيف لا، وقد أرادوا “أن يعيدوا للحركة الإسلامية ألقها” – كما زعم عبد الحي يوسف في واحدة من افتراءاته على الذات الإلهية.
لم يكن مستغرباً أن تطفح صفحات ضباط الحركة الإسلامية في الجيش باستنكار التظاهرة السلمية، ووصل الأمر حد المطالبة بمعاملة المتظاهرين كأعداء في حالة حرب مع الدولة؛ تلك الدولة التي تمتلئ صفوف مناصريها بحُثالة اللصوص والقتلة وتجار الدين.
لكن الأغرب كان التعامل العنيف مع تظاهرة في مدينة شبه مهجورة، أقصى ما يمكن أن تحققه هو الوصول إلى شارع رئيس؛ فلا حكومة هناك، ولا قصر، ولا أي مظهر من مظاهر الدولة يمكن أن يسبب قلقاً. إنها “فوبيا الثورة” التي أخرجت الفئران المذعورة وقد أصابتها لوثة من “الرجولة المفقودة” وأخلاق الجندية الضائعة إبان أيام القتال.
إن العنف المفرط تجاه المتظاهرين لا يعدو كونُه تعبيراً عن ردة فعل سياسية إسلاموية وليست أمنية؛ فليس من المستغرب محاصرة منزل متظاهر “واحد” في الولاية الشمالية، كل جرمه أنه التحف علم السودان وألقى أبياتاً شعرية ثورية. فأي مهدد أمني يشكله ذلك الشاب النحيل، أو أولئك المتظاهرون في أم درمان؟
موقفٌ إثر موقف، تثبت القوات العسكرية والأمنية أن الحاجة لإعادة بنائها وإصلاحها جذرياً هي ضرورة ملحة وعاجلة؛ ففي صلاحها تكمن إمكانية بناء أسس دولة تقوم على المواطنة والحقوق والواجبات، لا على الأيدلوجيات المتطرفة التي أوردت بلادنا موارد الهلاك.



