مقالات وآراء

اعتقال رئيس دولة في عاصمته… إعلان رسمي لانهيار وهم السيادة

الطيب محمد جادة

في فجرٍ بدا عادياً على شاشات الأخبار، لكنه كان زلزالاً في معناه السياسي، انتشر خبر القبض على الرئيس الفنزويلي وزوجته من قلب العاصمة كراكاس على يد قوات أمريكية. لم يكن المشهد مجرد عملية أمنية عابرة، بل لحظة كاشفة أسقطت كثيراً من الأقنعة التي طالما تغنّى بها النظام الدولي. في تلك اللحظة، لم يعد السؤال: كيف حدث ذلك؟ بل: ماذا يعني أن يحدث؟
هذا الحدث، بصرف النظر عن تفاصيله التقنية أو مبرراته المعلنة، أعاد إلى الواجهة حقيقة قديمة متجددة: العالم لا يُدار بالقوانين بقدر ما يُدار بموازين القوة. الحديث الطويل عن سيادة الدول، واحترام الحدود، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بدا فجأة كخطاب إنشائي يصلح للمؤتمرات والبيانات الختامية، لكنه يتبخر عند أول اختبار حقيقي مع قوة عظمى ترى مصالحها مهددة.
لسنوات، قيل لنا إن هناك “قانوناً دولياً” يحكم العلاقات بين الدول، وإن المؤسسات الأممية ومواثيقها تمثل الضمانة الأخيرة للضعفاء قبل الأقوياء. غير أن ما جرى في كراكاس، كما جرى قبله في عواصم أخرى بأشكال مختلفة، يثبت أن هذا القانون ليس سوى أداة انتقائية، يُستدعى حين يخدم مصالح معينة، ويُهمل حين يصبح عائقاً أمامها. القانون هنا لا يُكسر، بل يُعاد تفسيره، أو يُعلّق، أو يُدفن تحت عناوين فضفاضة مثل “الأمن القومي” و”حماية الديمقراطية” و”حقوق الإنسان”.
القبض على رئيس دولة من داخل عاصمته ليس مجرد انتهاك لسيادة بلد، بل رسالة سياسية مكتوبة بوضوح: من يملك القوة يملك حق الفعل، ومن يفتقدها يكتفي بالاحتجاج. هذه الرسالة لا تُوجَّه فقط إلى فنزويلا، بل إلى كل دولة تفكر في الخروج عن المسار المرسوم لها. إنها تذكير قاسٍ بأن الاستقلال السياسي الحقيقي لا يتحقق بالشعارات ولا بالخطابات النارية، بل بامتلاك عناصر القوة الذاتية، أو على الأقل بتوازنات تحمي من هذا النوع من الإذلال العلني.
الأكثر خطورة في الحدث ليس العملية نفسها، بل ما يترتب عليها من تطبيع لفكرة التدخل المباشر. عندما تمرّ حادثة بهذا الحجم دون مساءلة حقيقية، ودون ردع دولي فعّال، فإنها تتحول إلى سابقة. والسابقة، في منطق السياسة، تُغري بالتكرار. اليوم فنزويلا، وغداً قد تكون دولة أخرى، تحت ذريعة مختلفة، وبسيناريو معدّل، لكن بالجوهر نفسه: إرادة القوة فوق كل اعتبار.
أما المؤسسات الدولية، فقد بدت كعادتها إما صامتة أو مشلولة. بيانات قلق، دعوات إلى ضبط النفس، اجتماعات طارئة لا تفضي إلى شيء. هذا العجز المزمن لا يعكس ضعف الأدوات فقط، بل ضعف الإرادة. فهذه المؤسسات، التي يُفترض أن تكون حَكماً، أصبحت في كثير من الأحيان ساحة صراع تعكس اختلال موازين القوى بدل أن تصححه. ومن يملك حق النقض أو النفوذ المالي والسياسي، يملك عملياً حق تعطيل أي مسار لا يناسبه.
في الشارع العربي، كما في كثير من شوارع العالم، استُقبل الخبر بمزيج من الصدمة والمرارة. ليس حباً في نظام بعينه، ولا دفاعاً عن رئيس أو زوجته، بل لأن المشهد أعاد إلى الذاكرة تاريخاً طويلاً من الإهانات السياسية التي تعرّضت لها دول وشعوب، حين اكتشفت متأخرة أن “الشرعية الدولية” ليست مظلة للجميع، بل امتيازاً للبعض.
هذا الحدث يدفعنا إلى إعادة التفكير في كثير من المسلمات. هل ما زال من المجدي التعويل على نظام دولي عادل؟ هل يمكن لدولة ضعيفة أن تحمي نفسها فقط بالانضمام إلى الاتفاقيات والتوقيع على المواثيق؟ أم أن الواقعية السياسية، بكل قسوتها، تفرض الاعتراف بأن العالم غابة منمّقة، تُخفى أنيابها خلف كلمات ناعمة؟
في قادم الأيام، قد نشهد أحداثاً مماثلة، وربما أكثر جرأة. فحين ينكشف القناع مرة، يصبح من السهل نزعه مرات أخرى. المسرحيات التي كانت تُعرض باسم القانون الدولي لم تعد تقنع جمهوراً واسعاً، لأن الكواليس باتت مكشوفة. وما لم يحدث تحول جذري في ميزان القوة العالمي، أو وعي جماعي لدى الدول المستهدفة بضرورة بناء عناصر ردع حقيقية، فإن منطق “القوي يأكل الضعيف” سيظل هو القاعدة غير المعلنة.
ختاماً، ليست القضية في شخص الرئيس الفنزويلي ولا في طبيعة نظامه، بل في الدرس الأوسع الذي يفرض نفسه بقوة. العالم الذي نعيش فيه لا يحترم إلا من يستطيع فرض احترامه. وما بين الشعارات البراقة والواقع الصلب، تتسع فجوة يدفع ثمنها دائماً أولئك الذين صدّقوا أن القانون وحده يكفي.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..