مقالات وآراء

محاولة اغتيال الوالي!

قصة من تسعينات القرن المنصرم

كانت السيارة القديمة تكاد تتفكك الى قطع صغيرة وهي تسابق الريح في الأرض غير الممهدة بين كرمة النزل ومدينة أرقو. كانت هناك عدة سيارات تسبقها في الطريق لكن صديقنا السائق كرم الله كان مصرّا على أن يسبقها جميعا. تصاعدت سحب التراب الناعم مثل الدقيق الى السماء، بفضل عراك السيارة مع نفسها ومع الأرض، بعد قليل، حين تجاوز السيارة الاولى ،أعلن لي: (قول واحد)!

قلت واحد فيما ضغط هو (دوّاس) البنزين حتى كاد الموتور يمزّق غطاء الماكينة، وينطلق الى الفضاء بدلا من البقاء داخل صندوق العذاب هذا المسمى تويوتا هايلوكس.

ثم ظهرت السيارة الثانية في حمى دوامة الغبار الكثيفة ،تعرفت عليها بسرعة، حين أعلن كرم الله : (قول اتنين) فرحت أنا ايضا هذه المرة، كانت السيارة الثانية تخص أحد جيراننا. قبل أيام كنت اقود سيارة قديمة استلفتها من أحد الاصدقاء. توقفت السيارة في منتصف الطريق، ربما لأنها معتادة على ذلك، حرنت السيارة ورفضت كل محاولات تشغيل محركها. اعتقدت أنها تحتاج لدفرة كعادتها، حيث يبدو أنها أصبحت مدمنة على ذلك.

حين خرجت من السيارة اكتشفت أنّ اثنين من إطاراتها كانت فارغة تماما من الهواء، حتى لامس إطار الحديد الأرض واختلط بالتراب. وقفت محتارا، وفجأة سمعت صوت سيارة قادمة، توقف جارنا جاد الله. كان جارنا مشهورا بطول اليد واللسان! توكلت على الله وأخبرته إنني بحاجة الى اطارين! دهش من حكاية أن يفرغ (اطاران) من الهواء في نفس الوقت! تردد قليلا ثم أعطاني إطارين احتياطيين كان يحملهما لحسن الحظ، وهو يتذمر أنه في طريقه الى مشوار بعيد وربما يحتاج للإطار الاحتياطي. ولمعرفتي بعدم اهتمام صديقنا بمعدات سيارته، استوقفت جارنا جاد الله حتى أبحث عن الرافعة، ومفتاح فك وتثبيت الاطار، وكما توقعت لم أجد لهما أثرا.

أحضر جارنا الاشياء المطلوبة وهو يسب ويلعن! ولسوء الحظ كانت سيارته ملأي بالبشر فقد كانوا يتجهون لحضور مناسبة زفاف في مكان ما. أعلن لي بصوت جهوري سمعه كل من في السيارة وفي القرية وهو يغادر: متين تجهزوا عرباتكم قبل تطلعوا مشوار زي الرجال؟ ثم تساءل محتاجين حاجة تأني؟ قبل أن يردف ساخرا (عندكم مكنة ولا نفك ليكم المكنة؟)!

لحسن الحظ كانت توجد ماكينة في السيارة، لا بد أنّ الماكينة تدخل ضمن تجهيزات (الرجال) لسياراتهم كما أعلن جاد الله. ذات مرة ذهبت مع صديقي لترخيص السيارة نفسها، طلب الشرطي أن يرى الماكينة، لبثنا فترة أملا في أن ينجدنا أحدهم حتى لا نضطر لفتح غطاء الماكينة، بسبب خوفنا من انكشاف عورة السيارة، أمام شرطي غريب.

تصرّف أحد الاصدقاء الذين رافقونا، بدافع الرغبة في (السُترة)، (غمت) للشرطي الهميم مبلغا من المال. كان المبلغ قليلا جدا، لكن من قال أنّ رجال الشرطة طمّاعون؟ الشرطي مثله ومثل أية مواطن قنوع طيب، يرضى بالقليل، كان المبلغ القليل كافيا ليصبح الشرطي، شرطيا ودودا وطيبا مثل قط أليف.

حين رفعنا الغطاء عن (عورة) السيارة. لم نر شيئا في البداية بسبب الدخان الكثيف، ثم تكشّف المنظر عن (حبال ودلاقين) تثبّت بقايا ما كان يعرف بالماكينة. إحتار الشرطي في البداية، لم يعرف إن كان ينظر الى ماكينة عربة أم مركب شراعي. وضع يده فوق جيبه حيث العملة الورقية التي تسلمها للتو، كأنه يتأكد انها موجودة ولم تتبخر بفضل التضخم. ثم تساءل وهو ينظر الى الحبال والدلاقين: فراملها شغالة؟

تنهد صديقنا مرتاحا وقال: شغّالة زي الكلب! اكتفى الشرطي بالإجابة، .يبدو أنه يؤمن بتفوق الكلاب، وأن أي كلب مثلما لديه حاسة شم قوية لديه أيضا فرامل جيدة. قبل أن يشرع قلمه ويضع توقيعه على الورق معلنا بأن كل شيء تمام التمام!

كنت قد سرحت قليلا حين أعلن السائق: قول ثلاثة، نظرت الى الخلف فوجدت العالم يكاد ينهار من فرط فوضى الغبار. بقيت أمامه في المدى سيارة واحدة، كانت تسير مثل الصاروخ، صرخ السائق بصوت أشبه بصوت موتور سيارته (أنا أدفع مال قلبي في هذه السيارة، لازم هي كمان تديني زي ما أنا بديها).

لم أكن أعرف حتى تلك اللحظة أنّ السيارات تحفظ الجميل مثل بعض البشر، وأنّ السيارة حين تهتم (بعمرتها) وزيتها وشرابها، تكافح بكل طاقتها كي تبقيك في المقدمة.

بعد مناورة ترابية سريعة أعلن كرم الله: قول ستة! كنت قد تعبت من القول، فلم أقل شيئا، كأنني كنت أتنبأ أنّ نصره البائس سيتبدد سريعا على يد من هو أقوى وأقدر.

أحرز المركز الأول في سباق الغبار، لكن فرحته بنصره الترابي لم تدم طويلا، ففجأة مرقت سيارة مثل السهم بجوارنا، كان واضحا انها إحدى عربات الحكومة الفخمة التي يطلق عليها اسم تلك الممثلة الشهيرة، قلت وكأنني أستفزه لمواصلة السباق:

لن تستطيع أن تسبق عربة الحكومة!

فكّر قليلا، لابد أنه فكّر في الضرائب وفي المشاكل التي يمكن أن تسببها له السلطة، في جرّاره الزراعي غير المُرخّص، وفي ضرائب الأرض والنخيل التي كان يتهرّب من دفعها. سائق العربة الحكومية أيضا ساهم في دفع كرم الله إلى التطرف، حين أبطأ السرعة قليلا أمامنا، حتى يعطينا فرصة أكبر لنُدفن في أطنان التراب الكثيف الذي كانت تلقيه إطارات سيارتهم فوق عربتنا، حتى انعدمت الرؤية من أمامنا.

كان سائق السيارة الحكومية يمرق كالسهم ثم يبطئ ليغرقنا في الغبار ثم يهرب قبل أن نلحق به. كرم الله كان مترددا، ابتلع في البداية خسارته غير المتوقعة للسباق، لكنه في النهاية حسم أمره وتوكل على الله وأعلن: (الحي الله الكاتل الله) قبل أن يضع ثقل قدمه الفيلية فوق دوّاس البنزين، ولولت السيارة وكأنها تعرف مصيرها المحتوم في المعركة غير المتكافئة مع السلطة الانقلابية!

بسبب ضيق الطريق كان كرم الله مضطرا أن يسير وراء السيارة الحكومية لبعض الوقت، لكن لأنه كان يحفظ الطريق جيدا، فقد عرف أن هناك منطقة قادمة سيتسع فيها الطريق قليلا ويمكنه بجهد قليل أن يتجاوز السيارة الحكومية. خاصة وأن سائق السيارة الرسمية بدا مستمتعا بالسير ببطء وإلقاء أطنان الغبار فوقنا، قال كرم الله: هذا كل ما نجده من الحكومة، الغبار والتراب والحقارة!

فجأة وقبل أن يتنبه سائق السيارة الحكومية لاتساع الطريق المفاجئ، مرق كرم الله مثل السهم بجانبه واضعا السيارة في المقدمة. ثم بدأ انتقامه من السلطة: يبطئ السرعة في الطريق الضيق الذي تحف جانبيه رمال عالية وغابات من نبات الحلفاء الكثيفة، حتى دُفنت السيارة الحكومية في التراب. يتذكر بحقد حين جُلد في السوق قبل أشهر بتهمة تعاطي الخمور، ومضايقات رجال الأمن له حتى لا يستخدم جرّاره الزراعي في حراثة الأرض لأهل القرية، حيث إعتاد على التعامل مع جيرانه الفقراء بالدفع الآجل حتى نهاية الموسم الزراعي، لكن الحكومة أنشأت شركة للخدمات الزراعية وتريد احتكار العمل، واجبار المزارعين على الدفع نقدا لقاء حراثة الأرض ودرس المحاصيل بأسعار باهظة. ولمضايقته ومنعه عن العمل تعرّض للاعتقال والمساءلة حول ترخيص جرّاره الزراعي وأنه لا يدفع ضرائب الجرّار منذ سنوات. شرح لهم أن الجرّار يخص شقيقه الذي يعيش في السعودية، وأن شقيقه إعتاد في كل مرة يحضر فيها على دفع الضرائب وتجديد رخصة الجرّار، وأنه مجرد وكيل ينفذ طلبات شقيقه، لكن أحدا لم يستمع له، وأجبروه في النهاية على دفع غرامة كبيرة.

كان كرم الله يواصل انتقامه بلذة وصبر، تسير السيارة بأقل سرعة ممكنة، تعطّل المسئول الحكومي الكبير صاحب الوقت الثمين، وقت كان يكفي لإبرام عدة صفقات، وبيع عدة مؤسسات خاسرة أو غير خاسرة، هذا الوقت الثمين كان كرم الله يبدده عن سابق قصد وتصميم.

فجأة بدأ الشارع يتسع مرة أخرى، زاد كرم الله من سرعة السيارة حتى لا يجد سائق السيارة الأخرى فرصة ليسبقه. لكنه أضطر للتوقف بعد قليل فقد كان الطريق مغلقا بحاجز من سيارات الشرطة! وكانت إشارات الطوارئ الضوئية في سيارات الشرطة تلهث بجنون، توضّح جسامة المشكلة التي تجمعت الشرطة بسببها.

مرقت السيارة الاخرى من الحاجز وانطلقت مثل السهم. أما نحن فقد ذهبنا مع الشرطة، لينتهي سباقنا مع الحكومة  بالتهمة الرهيبة، التي لم يحسب لها كرم الله حسابا أثناء صراعه الترابي ضد السلطة: محاولة اغتيال الوالي!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..