مقالات وآراء

حين يتحدث الذئب عن الحياد… ويكشف أنيابه دون أن يدري

ما كتبه الصحفي الأرزقي ضياء الدين بلال عن حوار الدكتور عبد الله حمدوك مع قناة فرانس 24 لا يحتاج إلى تفنيد بقدر ما يحتاج إلى مرآة.
فالنص، من أوله إلى آخره، ليس قراءة إعلامية ولا نقدًا مهنيًا، بل انفعال مرتبك، يشي بتوتر صاحبه أكثر مما يفضح من حاول أن يسخر منه.
الأرزقي رأى في ابتسامة حمدوك «توترًا بلاستيكيًا»، لكنه لم ينتبه إلى أن الارتباك الحقيقي كان في لغته هو: لغة مشحونة، مكسورة الإيقاع، تفتش عن اتهام فلا تجد إلا ظنونًا مُعلّبة، وتبحث عن خيط فتتشبث بنظرية «الكفيل» كمن يتشبث بخشبة في بحر الحقائق.
أما المفارقة الكبرى، فهي أن الحوار الذي وصفه الأرزقي بـ«حياد الذئاب»، خرجت تعليقات المشاهدين – بلا استثناء يُذكر – لتسخر من هذا الوصف نفسه، وتضعه في مكانه الطبيعي: خانة العجز عن مجاراة خطاب هادئ، عقلاني، شجاع، يتحدث عن إنهاء الحرب لا عن تبريرها، وعن إنقاذ السودان لا عن استثماره في الدم.
حمدوك، الذي حاولوا طيلة سنوات شيطنته، ظهر كما هو: سياسي مدني، واسع الأفق، واضح الهدف، يتحدث بلغة دولة لا بلغة ميليشيا، وبمنطق السلام لا بمنطق «البلابسة» الذين لا يعيشون إلا في ضجيج الحرب.
وهذا بالضبط ما أحرجهم… وأخرسهم.
الأرزقي يلوم حمدوك لأنه شكر القناة على تقريرٍ عن مزاعم استخدام السلاح الكيميائي، لكنه يغفل – أو يتغافل – عن حقيقة بسيطة: أن السياسي الواثق لا يختار الأسئلة، ولا يوزّع الشكر على هواه، ولا يدير الحوار بعقلية «البيان العسكري».
الشكر هنا ليس إدانة، بل احترام لمهنية منصة إعلامية، وهو أمر يبدو أن بعض الصحفيين لم يعتادوه بعد.
ثم يأتي السؤال الساخر الحقيقي:
من هو الذئب فعلًا؟
أهو رجل يدعو علنًا إلى وقف الحرب، ويواجه السرديات المسلحة بلغة مدنية واضحة؟
أم من يهاجم كل صوتٍ للسلام، ويبرر استمرار المأساة، ثم يتحدث عن «الحياد» وهو غارق حتى أذنيه في الاصطفاف؟
ما كتبه الأرزقي لم يُضعف حمدوك، بل منحه – دون قصد – شهادة إضافية على فاعلية خطابه.
فحين يخرج أنصار الحرب من جحورهم ساخرين، فاعلم أن كلمة السلام قد أصابت الهدف.
أما «البلابسة» الذين أُحرجوا وأسكتهم الحوار، فهم لم يصمتوا اقتناعًا… بل عجزًا.
والعجز، حين يتزيّا بلبوس السخرية، لا يصبح نقدًا، بل اعترافًا متأخرًا بالهزيمة.
وفي النهاية، يبقى الفرق واضحًا:
هناك من يتحدث ليُنهي الحرب،
وهناك من يكتب ليطيل عمرها.
وبين الاثنين، يعرف الشعب جيدًا من هو الذئب… ومن هو الشاهد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..