مقالات وآراء

رؤية نقدية لميثاق السودان التأسيسي.

د. أحمد بابكر

اندلعت حرب ال15 من أبريل 2023م نتيجة تراكمات طويلة وكنتيجة مباشرة لتعدد الجيوش والتي كانت جزء من عقيدة عمل الإنقاذيين في إدارة الدولة حيث أنشأت مؤسسات  تتبع للتنظيم مباشرة في موازاة مؤسسات الدولة، فأنشأت الدفاع الشعبي وكتائب الظل المختلفة في موازاة المؤسسة العسكرية، وكان الدعم السريع نتاج هذه العقلية المدمرة.
عندما اندلعت الحرب لم يكن للدعم السريع برنامج سياسي أو رؤية فكرية بل استندت سرديته للحرب بأن الحركة الإسلامية وعناصرها في الجيش هي من أشعلت الحرب. وهو كان يمارس الدفاع عن النفس.. وكلنا نتذكر حديث عبد الرحيم دقلو (بتحاربنا ليه يا برهان)؟ في إشارة لعدم وجود خلاف كبير بينهم، وهذا صحيح فالطرفين هما من اجهضا الفترة الانتقالية…
ولكن مع إستمرار الحرب وحاجة كل طرف لحلفاء وحواضن سياسية واجتماعية، تبنى الدعم خطاب المظلومية الذي اشتهرت به الحركات المسلحة وعلى رأسها الحركة الشعبية لتحرير السودان / الحلو،
وبدأ الحديث عن ظلم دولة 56 وبقية القضايا المعروفة، ليصل الأمر لتحالف سياسي مع الحركة الشعبية / الحلو وتبني رؤيتها المعروفة بالسودان الجديد..
نتج عن هذا التحالف ميثاق السودان التأسيسي والذي سنعمل على تقديم رؤية نقدية له في هذا المقال.
▪️تم التوقيع على ميثاق السودان التأسيسي في نيروبي في 23 فبراير 2025م..
ويضم  تحالف تأسيس بشكل أساسي قوى مسلحة أساسها الدعم السريع، والحركة الشعبية لتحرير السودان قيادة الحلو، مع بعض الشخصيات المدنية…
وهذا التحالف نشأ من داخل الأزمة، أي نتيجة للحرب بمعنى إنه ليس التقاء حول رؤية سياسية مشتركة بل تحالف فرضته أزمة مكوناته الذاتية نتيجة الحرب، الملاحظ إن أطرافه الأساسية كانت في حالة حرب عندما كان الدعم السريع يمثل الحارس الأمين لنظام الاستبداد الذي تقوده الحركة الإسلامية..
وعندما نقول إن هذا التحالف هو تعبير عن الأزمة الذاتية لمكوناته اكثر من أنه حاجة لمواجهة الأزمة الوطنية، فإننا نعني بأن أطرافه لا تربطها أي روابط فكرية أو سياسية، إنما تحالف فرضته الحرب..
فالدعم السريع لم يحارب الجيش الذي يمثل تحالف المصالح وفي قلبه الحركة الإسلامية من أجل السودان الجديد أو من أجل الديمقراطية، إنما كانت الحرب نتيجة لتناقض طموحات طرفيها الذاتية. وبما أنهم قوى مسلحة فالصراع والاختلاف بالضرورة سيكون عبر السلاح.. ولذلك وبما أن الحرب تحتاج لغطاء سياسي وتعبوي للحشد بدأ الحديث عن المظالم التاريخية والشريط النيلي وإعطاء الصراع بعد جغرافي هوياتي، وبالتالي تم استلاف شعارات الحركة الشعبية، كغطاء سياسي وتعبوي للحرب وبالتالي كان الطرح يفتقد لوحدة المنهج وكثير من التلتيق والتناقض الذي سنتحدث عنه.
▪️في الديباجة نلاحظ مصطلح “الشعوب” السودانية وهو يطلق عادة على منسوبي دول مختلفة، لأن اصطلاح”شعب” هو مفهوم سياسي وقانوني لمجموع البشر الذين يعيشون في دولة واحدة بغض النظر عن اختلاف ثقافاتهم وقبائلهم، حتى الذين يأتون من دول أخرى ويتحصلون على الجنسية يصبحون من ضمن هذا الشعب.. ولذلك مثل استخدام مصطلح شعوب خللا وخطأ منهجيا واصطلاحيا كبيرا.
كان الغرض من استخدام هذا المفهوم (الشعوب) هو توضيح إن هناك تنوع في البلاد، وإن هناك مجموعات سكانية عليها مظالم وإن هذه المظالم ناتجة في الأصل من اختلافها الهوياتي..
المعلوم بالضرورة أن التنوع ليس استثناء أو ميزة سودانية خاصة، بل هو الحالة الغالبة في كل دول العالم ولم يكن هذا التنوع في أي من بلدان العالم مبررا لإطلاق هذا المصطلح التفتيتي التقسيمي، فهناك الشعب الأمريكي بكل تنوعه، والشعب البريطاني بكل تنوعه.. والشعب النيجيري والمالي والغاني بكل تنوعه وحتى الشعب الرواندي والذي اندلعت فيه حرب ذات طابع قبلي فهو شعب واحد ليس هناك شعب الهوتو وشعب التوتسي.. فجميعهم روانديون بغض النظر عن من الظالم ومن المظلوم.
إذاً استخدام هذا المصطلح منذ البداية يجعل قاعدة الميثاق غير منضبطة منهجيا وكذلك ذات بعد تفتيتي تقسيمي كما سنرى لاحقا.
▪️في الميثاق تم التأكيد على أن تكون الدولة علمانية ديمقراطية، وتم ربط عدم تحقيق هذا المطلب بحق تقرير المصير للشعوب السودانية…
وهنا تكمن الخطورة وهي مساومة الوحدة الوطنية بتحقيق رؤية فصيل عسكري بغض النظر عن أهمية هذا المطلب من غيره..
فوحدة البلاد أرضاً وشعباً يجب أن تكون خارج الصراع والتنافس السياسي.
وهذا يفضح التناقض في الدعوة لوحدة البلاد مع اعطاء حق تقرير المصير “للشعوب السودانية”.. ويفضح كذلك عدم تماسك المنهج ووحدته الذي قام عليه الميثاق.
▪️الوحدة الوطنية والسيادة:
أكد الميثاق إن الوحدة الوطنية والسيادة تقوم على الوحدة الطوعية بين الشعوب السودانية، ونتيجة للخلل المنهجي الذي رافق كتابة الميثاق، فالوحدة الطوعية تكون أصلاً بين شعوب دول مختلفة مثل أن يقرر الشعب المصري والشعب السوداني والشعب التشادي الوحدة لتكوين دولة واحدة بحكم ضرورات التكتلات الدولية، أو أي سبب آخر، لكن ليس هناك مسوغ للتعامل مع السودان وكأنه مجموع دول وهذا أيضاً يرجعنا للتساؤل الأول، ما هي معايير كل شعب داخل السودان، هل المعيار جغرافي أم قبلي أم ماذا؟يعني هل يمكن اعتبار الشعب السوداني الموجود في دارفور بأنه شعب دارفور ،أم إن الزغاوة شعب والفور شعب والرزيقات شعب… الخ
▪️الميثاق يطرح دولة علمانية ديمقراطية..
هل هذه الديمقراطية تستند على التنافس بين برامج القوى السياسية أم تنافس بين “الشعوب السودانية” لأن برنامج تأسيس وهو يعبر اكثر عن رؤية الحركة الشعبية / الحلو، يستند أساسا على مفهوم “الشعوب” وهذا يقودنا لتساؤل هل كل شعب من “الشعوب” السودانية سيكون له برنامج سياسي موحد، وهذا يطرح سؤال آخر ما هي فائدة القوى السياسية إذا كان الأمر متعلق بأن كل شعب من “الشعوب السودانية هو وحدة سياسية”؟
وهذا يطرح سؤال أعمق هل هذه القاعدة تتيح قيام دولة مدنية حديثة؟
وسيتضح لنا هذا الأمر أكثر عندما نتناول الأداة المستخدمة لتحقيق هذه الأهداف وهي العمل المسلح..
واحدة من أهم اشكالات تحالف تأسيس هو استخدامه العمل المسلح كأداة لتحقيق اهدافه.
مبدئيا أي وسيلة نضالية تكتسب أهميتها من نجاعتها وتأثيرها الإيجابي في تحقيق الأجندة الوطنية المطروحة، وهذا الأمر مرتبط بالعوامل الذاتية والموضوعية سواء للأداة أو المجتمع.
▪️العمل المسلح ضد الاستعمار أو الغزو الخارجي يكون ذو فائدة بحكم الخسارات التي يلحقها بالمستعمر مما يضطره للخروج من البلاد.
أما كوسيلة لتحقيق الأهداف الوطنية، فتجاربنا في السودان تقول بفشله بل وإدخال البلد في تعقيدات جديدة وذلك للأسباب التالية:
▪️السودان بلد هش اجتماعيا  ساهمت الحروب في هذه الهشاشة من ضمن عوامل أخرى.
▪️التحشيد والتعبئة للحرب تحتاج لأدوات قد تتناقض مع جوهر الفكرة.. فالحرب تستخدم فيها أدوات الكراهية وباستمرارها يتعمق خطاب الكراهية خاصة إذا كان تصوير الصراع يستند على جذر هوياتي، خاصة إذا تمت التعبئة ضد بعض مكونات الوطنية الأخرى مثل مواطني الشريط النيلي… الخ.
▪️العمل العسكري يضعف أدوات العمل المدني ويعمل على عسكرة الثقافة والسلوك والمجتمع خاصة في مجتمعات ذات طابع قبلي.
▪️تكوين القوى المسلحة في تأسيس يعتمد على اساس قبائلي وهو تكوين ينسف فكرة المواطنة نفسها.
▪️ المناطق التي ينشط فيه العمل المسلح يخرج المواطنين من دائرة التأثير السياسي ،وكذلك يعمل على حرمان المواطنين من الحياة الطبيعية في العمل والتعليم… الخ. مما يزيد من الفاقد التربوي والتداعيات الأخرى للحروب من نزوح ولجوء وانتهاكات وغياب سلطة القانون… الخ.
▪️كذلك اثبت العمل المسلح عدم فاعليته في تحقيق أي تغيير أو تحقيق أي هدف بل يشكل الرئة التي يتنفس منها الاستبداد والأكسجين الذي يطيل من عمره.
خاتمة في الجانب الاقتصادي طرح الميثاق اقتصاد السوق الاجتماعي وهو اقتصاد السوق مع مسؤوليات اجتماعية للدولة وهذا النموذج موجود في ألمانيا والنمسا.
كنت أتوقع أن يكون اقتصاد دولة الكفاية هو الذي يتم تبنيه من قبل تحالف تأسيس، بحكم تداعيات الحرب الكارثية والتي تستدعي تخطيط مركزي لمعالجة آثارها وليس الاعتماد على اقتصاد السوق والذي مهما حاولت توجيهه لا تستطيع لينتهي بك الأمر بأن تسيطر الرأسمالية ومؤسساتها على البلد والسلطة بشكل كامل.
1- الملاحظ إن عبد العزيز الحلو عندما خرج إلى كاودا كان جزء من سلطة الاستبداد الإنقاذية والاختلاف لم يكن حول العلمانية أو الديمقراطية إنما الخلاف كان حول منصب والي جنوب كردفان، وعندما لم يتحصل على المنصب ذهب إلى كاودا وبدأ في اجترار شعارات السودان الجديد والعلمانية والشعوب السودانية… الخ.
بنفس القدر محمد حمدان دقلو كان يد الإنقاذ الباطشة تجاه المعارضة. إذاً أطراف تأسيس الأساسية خرجوا من عباءة الاستبداد..
2- الوضع الماثل الآن يعيد إلى الأذهان حرب الجنوب وإمكانية الانفصال والتفتيت مرة أخرى، وللمصادفة نجد أن الحركة الشعبية والحركة الإسلامية يمثلون الآن نفس الأطراف وبذات الشعارات وتحت نفس العناوين.
3- أحد أسباب عدم تماسك الميثاق هو في محاولته إرضاء كل الأطراف الموقعة عليه.
4- ميثاق تأسيس يطرح رؤية صفرية، وهي إذا لم يتم تبني العلمانية (بقوة السلاح) ستنقسم البلاد، وهو ذات نهج الإسلاميين، إما ان يتم تبني رؤيتهم في الحكم (بقوة السلاح) أو تتقسم البلاد..
كأن السودان لا يوجد به غيرهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..