خطاب البرهان… ثبات اللغة وتغيّر الواقع

السماني شكرالله
للمرة الثانية خلال الحرب، يختار رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان مخاطبة الخارج عبر منبر دولي مؤثر، بعد مقاله السابق في صحيفة واشنطن بوست، وها هو يعود عبر مجلة «ألمانك دبلوماتيك» التركية بخطاب متقارب في اللغة والمفاهيم، يكاد يكرر الإطار ذاته: الدولة في مواجهة التفكك، الشرعية في مواجهة «التمرد»، والسيادة في مواجهة التدخلات الخارجية. هذا الثبات في الخطاب يقابله، في المقابل، تغيّر عميق في الواقع الميداني والسياسي، وهو ما يفرض قراءة نقدية أكثر صرامة.
في الخطابين، يقدّم البرهان نفسه بوصفه حارس الدولة الأخير، ويضع الجيش في موقع المسؤولية التاريخية عن وحدة السودان واستمراريته. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته النظرية، يتجاهل حقيقة مركزية مفادها أن الدولة السودانية لم تنهَر فجأة بفعل الحرب، بل سبقتها أزمة شرعية ممتدة، بدأت بتعطيل الانتقال المدني، وبلغت ذروتها حين تحولت السلطة نفسها إلى ساحة صراع مسلح. فالدولة التي يُراد إنقاذها اليوم هي ذاتها التي أُضعفت سياسيًا بالأمس.
ويواصل الخطاب، كما في واشنطن بوست، توصيف الحرب باعتبارها نتاج «تمرد مسلح»، وهو توصيف يفتقر إلى الاكتمال التحليلي. فالصراع لم ينشأ خارج الدولة، بل من داخلها، بين قوتين كانتا تمثلان عماد السلطة الانتقالية. إن اختزال الأزمة في بُعد أمني يعفي الفشل السياسي من المساءلة، ويُبقي جذور الحرب قائمة حتى لو توقفت المعارك.
أما في ما يتعلق بالتسوية السياسية، فيُلاحظ أن البرهان يطرح شروطًا أمنية صارمة بوصفها مدخلًا وحيدًا لأي حل: انسحاب، نزع سلاح، وإنهاء مراكز قوى موازية. هذه الشروط، وإن بدت منطقية في سياق الدولة المكتملة، إلا أنها في واقع السودان الحالي أقرب إلى منطق الغلبة العسكرية منها إلى منطق التسوية السياسية. فالتجارب الإقليمية والدولية تؤكد أن الحروب الأهلية لا تُحسم أمنيًا وحده، بل تُدار عبر مسارات متوازية، أمنية وسياسية، لا يطغى أحدها على الآخر.
وفي رفضه للحلول المفروضة من الخارج، يكرر البرهان ما ورد في خطابه السابق، غير أن هذا الرفض يظل منقوصًا ما لم يُدعَم ببنية داخلية قادرة على إنتاج بديل وطني جامع. فالدعوة إلى حوار سوداني–سوداني تفقد مضمونها في ظل غياب ضمانات مشاركة حقيقية للقوى المدنية، واستمرار احتكار القرار داخل مؤسسات السلاح.
الشق الإنساني في الخطاب، رغم اعترافه بحجم الكارثة، يأتي هامشيًا مقارنة بثقل الخطاب الأمني. وهو اعتراف لا يرقى إلى مستوى ربط المسؤولية بالقرار، ولا يجيب عن السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات في ظل استمرار العمليات العسكرية دون ضوابط واضحة
إن الخروج من المأزق السوداني لا يتطلب مزيدًا من تثبيت الخطاب، بل شجاعة الانتقال من منطق إدارة الحرب إلى منطق إنهائها. وتسوية سياسية واقعية تستلزم، في حدها الأدنى:
وقف إطلاق نار غير مشروط ومراقَب دوليًا، يُفصل فيه المسار الإنساني عن التجاذبات العسكرية.
وإطلاق مسار سياسي مدني متزامن، لا مؤجَّل، يعيد تعريف الشرعية على أساس التوافق الوطني لا موازين السلاح.
ثم إصلاح أمني تدريجي ومتفق عليه، يدمج القوات المسلحة في مؤسسة وطنية واحدة، وفق جدول زمني وضمانات واضحة.
اصافة إلى إبعاد الجيش عن العمل السياسي عبر ترتيبات دستورية انتقالية، تضمن دوره المهني دون وصاية على الحكم.
وكل ذلك بمشاركة إقليمية ودولية مسانِدة لا مُقرِّرة، تحترم السيادة لكنها لا تترك البلاد رهينة ميزان القوة الداخلي.
في المحصلة، يظل خطاب البرهان، في نسختيه الدولية، متماسكًا لغويًا لكنه محدود سياسيًا. فهو ينجح في تقديم رواية الدولة إلى الخارج، لكنه لم يقدّم بعد إجابة مقنعة عن سؤال الداخل: كيف تُبنى دولة ما بعد الحرب، دون عقد اجتماعي جديد، يعيد السياسة إلى المدنيين، ويُنهي حكم السلاح إلى الأبد



