مقالات وآراء

بروميديشن والكيزان: وساطة أم إعادة تدوير للهزيمة؟

منعم سليمان

أعادت ورشة كوالالمبور، التي نظمتها منظمة بروميديشن الفرنسية بمشاركة رموز من الحركة الإسلامية السودانية وفلول النظام البائد، إلى الواجهة سؤالًا قديمًا يتجدد بإلحاح: هل ما تقوم به هذه المنظمة هو فعل وساطة حقيقي، أم محاولة ناعمة لإعادة تأهيل قوى لفظها الشارع وأسقطها بثورة شعبية مدوية؟

فالورشة لا يمكن النظر إليها كحدث معزول أو جهد تقني محايد، بل كحلقة ضمن مسار متدرج تسعى فيه المنظمة إلى فتح قنوات مع تيارات إسلامية فقدت شرعيتها السياسية والأخلاقية، بعد أن ارتبط اسمها عضويًا بالاستبداد، والحرب، وتفكيك الدولة، والإرهاب، كما الانهيار المؤسسي الذي قاد السودان إلى وضعه الكارثي الراهن.

من حيث التعريف، تنتمي “بروميديشن” إلى نمط من منظمات الوساطة غير الحكومية التي نشأت في أوروبا بعد الحرب الباردة، وتتحرك في المناطق الرمادية بين الدبلوماسية الرسمية والعمل الأهلي، ممولةً بمنح حكومية أوروبية وشراكات مع مؤسسات دولية، وتحت لافتة فضفاضة عنوانها “الحياد” و“بناء السلام”. غير أن الحياد، حين يُمارس خارج سياقه الأخلاقي والسياسي، يتحول من فضيلة إلى تواطؤ.

وتبدو مقاربة “بروميديشن” إشكالية من زاويتين أساسيتين.
الأولى أنها تنطلق من فرضية بالغة التبسيط، مفادها أن “التيارات الإسلامية” تمثل كتلة سياسية يمكن توحيدها وإعادة تأهيلها، متجاهلة حقيقة أنها قوى شمولية مهزومة شعبيًا، فقدت سندها الاجتماعي، وتتحمل مسؤولية مباشرة عن عسكرة الدولة، وإدخال الأيديولوجيا في صميم مؤسساتها، وصولًا إلى إشعال الحرب الحالية.

أما الزاوية الثانية، والأخطر، فتتمثل في القفز فوق الفاعل الجوهري في معادلة الشرعية: المجتمع السوداني نفسه. ذلك المجتمع الذي عبّر، بثورته وبتضحياته، عن رفضه القاطع لهذه القوى، ليس سياسيًا فحسب، بل أخلاقيًا ورمزيًا، واعتبرها جزءًا من المشكلة لا طرفًا في الحل.

إن جمع الإسلاميين، بمختلف انشقاقاتهم وصراعاتهم، في عواصم بعيدة عن السودان، تحت لافتة “الحوار”، قد يبدو في ظاهره محاولة لخفض الاستقطاب، لكنه عمليًا يمنحهم منصة دولية جديدة، ويعيد تسويقهم كشركاء محتملين في مستقبل البلاد، دون أي مساءلة جادة عن الجرائم، أو مراجعة حقيقية لدورهم في إنتاج العنف وتدمير الدولة.

وهنا يفرض السؤال نفسه بحدة:
هل تسعى “بروميديشن” إلى تفكيك بنية الحرب والتمهيد إلى السلام، أم إلى إعادة ترتيب معسكر خاسر بواجهة أكثر قبولًا لدى المجتمع الدولي؟

الخشية الحقيقية أن تتحول مثل هذه الورش إلى مسار موازٍ يفرغ مفهوم السلام من محتواه، ويتجاهل جذور الصراع، ويقفز فوق مطالب العدالة، ويستبدلها بتسويات مريحة للفاعلين، على حساب الضحايا.

فالسلام في السودان لن يُبنى عبر إعادة تدوير الحركة الإسلامية والفلول، ولا عبر تلميع مشروع شمولي ثار عليه الشعب وأسقطه بثمن باهظ، بل عبر الاعتراف الصريح بإرادة الشارع، والانطلاق من معادلة جديدة تُقدّم الضحايا على الجلادين، والمحاسبة على المصالحات السهلة، والقطيعة الكاملة مع منظومات العنف والتطرف، مهما تغيّرت أسماؤها أو واجهاتها.

‫3 تعليقات

  1. يا منعم اخوي هذا النوع من المنظمات من السهل اختراق المسؤولين فيها ودهن سيرهم من قبل الكيزان. والكيزان لهم باع طويل في هذه الجرائم وهم موزعين في عدة دول أوروبية ومنظمات اممية ومنظمات خاصة. وكما ترى ان كثير من المسؤولين الأوروبيين والأمريكان تصريحاتهم يشوبها الشك والريبة، وكما يقول ناس دارفور ” دابي كان جراداي في خشمو ولا بعضي”. والكيزان في سبيل عودتهم لفردوسهم المفقود ما خلوا جراداية الا وحشروها في خشوم الثعابين وبعض الحشرات اكرمكم الله والسامعين.

  2. المفروض إقامة المؤتمرات دى تشغل بال الدول العربيه قاطبه وعلى رأسهم مصر ماعدا دويلة قطر حاضنة المتأسلمين . طبعا من مصلحة امريكا والدول الغربيه إستمرار المتأسلمين وفى القلب منهم إسرائيل أن ينشغل العرب بأنفسهم لاطول مدى ممكن يفككوا بعضهم بعضا وخاصة بعد نجاحهم فى تبنيهم (ثورة الربيع العربى) والنتائج المزهله التى تحققت والدوله الوحيده التى إستطاعت مصر التخلص منهم ودفعت ثمنا غاليا فى سبيل ذلك وما زالت مهدده ورآينا وما زلنا نرى ما حصل فى اليمن وتونس وفلسطين والعراق ولحدٍ ما فى الاردن والمغرب وآخيرا فى السودان وقطعاً لن يكون آخرا ونتذكر ما حدث بين المملكه العربيه السعوديه ودولة الإمارات لو لا تدارك قياداتهم الرشيده وسارعوا فى تهدئة الموقف . اعتقد جازماً إختيارهم لدوله آسيويه كى لتبنى المؤتمر حتى يبعدوا شبهة تورط الدول التى أشرت إليها فى المقدمه … والله المستعان .

  3. نقطة ارتكاز
    د. جاد الله فضل المولى يكتب: صرخة قحت من الإسلاميين·· خوفٌ من عودة الوطنية

    لم تكن صرخات أحزاب قوى الحرية والتغيير ضد الإسلاميين سوى محاولة للهروب من مواجهة الحقيقة. فالإسلاميون الذين حكموا السودان لسنوات طويلة لم يكونوا بلا أخطاء، لكنهم في المقابل قدّموا مشاريع تنموية ملموسة وأحرجوا الحكومات المتعاقبة بإنجازاتهم في مجالات متعددة. ورغم إخفاقاتهم، ظلوا جزءاً أصيلاً من المشهد الوطني، بينما فشلت قحت خلال الفترة الانتقالية في تقديم نموذج مقنع للشعب السوداني أو إدارة الدولة بكفاءة.

    صرخات خالد سلك وغيره من قيادات قحت تعكس خوفاً عميقاً من عودة الإسلاميين إلى الساحة السياسية، لأن هذه العودة تعني عملياً نهاية مشروعهم الذي لم ينجح في إقناع الشارع ولم يحقق الاستقرار السياسي أو الاقتصادي. إن تحميل الإسلاميين مسؤولية الفشل هو أسهل الطرق لتبرير العجز وإخفاء الأخطاء، لكنه لا يغيّر من الواقع شيئاً. فالشعب السوداني يدرك أن الإسلاميين، رغم إخفاقاتهم، كانوا أكثر التصاقاً بالوطن وأكثر قدرة على إدارة الملفات الكبرى مقارنة بما قدمته قحت في سنواتها القصيرة.

    الإسلاميون لا يدّعون الكمال، لكنهم حملوا مشروعاً واضحاً وأداروا الدولة بقدرات تنظيمية عالية، بينما دخلت قحت السلطة بلا رؤية أو برنامج متماسك، فكان الفشل والانقسام الداخلي النتيجة الحتمية. إن الخوف من عودة الإسلاميين ليس خوفاً من أشخاص، بل من مشروع وطني قد يعيد التوازن إلى الساحة ويُسقط دعاوى قحت التي لم تصمد أمام اختبار الحكم.

    اليوم يتضح أن صرخات قحت ليست سوى محاولة لتعبئة الشارع ضد الإسلاميين، لكنها في حقيقتها اعتراف ضمني بالفشل، واعتراف بأن الإسلاميين ما زالوا قوة حقيقية في المشهد السياسي السوداني. عودتهم تعني إعادة ترتيب الأوراق وبناء الدولة على أسس أكثر صلابة ووطنية. فالشعب الذي جرّب حكم قحت يدرك أن الوطنية لا تُقاس بالشعارات، بل بالقدرة على إدارة الدولة وتحقيق التنمية وحماية السيادة.

    صرخة قحت من الإسلاميين هي صرخة خوف وليست صرخة حق، محاولة لتغطية الفشل وليست دعوة للإصلاح. فالإسلاميون، رغم أنهم ليسوا ملائكة، يظلون جزءاً أصيلاً من الوطن وقوة لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن إنكار دورهم في بناء السودان. إخفاقاتهم لا تُلغي وطنيتهم ولا تُسقط مشروعهم الذي ظل حاضراً في وجدان قطاعات واسعة من الشعب.

    وعندما دقت طبول الحرب، لم يجد الشعب السوداني إلا الإسلاميين إلى جانبه، بينما أحزاب قحت التي ادّعت الوطنية آثرت الرحيل على أقرب طائرة، تاركة الشعب يتقلب في جحيم الانتهاكات والجرائم. ورغم ما ارتكبته المليشيا المتمردة من فظائع، لم تخرج قحت حتى بإدانة خجولة، واكتفت بتعليق شماعة الفشل والحرب على الإسلاميين.
    [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..