مقالات وآراء

المنفى بلا ضمير… حين يهرب الهتاف من النار ليطالب بالمزيد

في زمنٍ صارت فيه الحرب السودانية “منسية” في نشرات العالم، ينهض صوت الناشطين الشرفاء – مثل هذا النص العميق الذي كتبه محمد طلب – لا ليبكي فحسب، بل ليضع إصبعه على جرحٍ أخلاقيٍّ غائر، جرحٍ لا تصنعه المدافع وحدها، بل تصنعه العقول التي هربت من الجحيم لتطالب باستمراره.
هذا النص ليس حكاية شخصية، بل مرآة قاسية لواقعٍ سودانيٍّ مختلّ: سوداني ينجو بنفسه من الموت، ثم يقف في ساحات أوروبا الأنيقة، محاطًا بالأمان ودفء القوانين، ليهتف لاستمرار الحرب التي شردته وقتلت أهله.
هنا لا نتحدث عن اختلاف سياسي، بل عن انهيار أخلاقي كامل، عن انفصامٍ فاضح بين الألم المُدّعى والموقف المُمارَس.
ما كتبه محمد طلب يفضح – بلا مواربة – أخلاق الكيزان والبلابسة ومن شابههم: أخلاق تُمجّد العنف حين لا يطالها، وتستثمر في الدم من مسافة آمنة.
هؤلاء لا يرون في الحرب مأساة إنسانية، بل “هواية سياسية”، ولا يتعاملون مع الوطن كبيتٍ يجب إنقاذه، بل كساحة تصفية حسابات.
يلعنون الحرب حين تطرق أبوابهم، ويقدسونها حين تلتهم غيرهم.
السؤال الجارح الذي يطرحه النص: ماذا تقولون فيمن يهرب من الحرب ليهتف باستمرارها؟
هو سؤال لا يبحث عن إجابة بقدر ما يفضح العار.
لأن الهروب من الحرب فعل إنساني مشروع، أما الدعوة لاستمرارها من المنافي، فخيانة أخلاقية لا تُغتفر.
هي ذروة الانحطاط السياسي حين يتحول الدم إلى شعار، والخراب إلى أغنية، والموت إلى “بوست” يُحصد به الإعجاب.
ولعل المقارنة مع اللاجئ الأوكراني، كما وردت في النص، كانت موجعة بقدر ما هي صادقة.
الأوكراني خرج باكيًا، رافضًا للحرب، متشبثًا بالحياة.
أما بعضنا – وليس كلنا – فخرج وهو يقرع الطبول، ويهتف “بل بس”، ويطالب البحر أن يفسح له الطريق، لا لينجو فقط، بل ليواصل التحريض من بعيد.
ثم نستغرب أن ينظر العالم إلينا بريبة!
أي نفاقٍ هذا؟
وأي ذاكرة مثقوبة نحملها؟
هذا النص يقول ما يخشاه كثيرون: مشكلتنا ليست في الحرب وحدها، بل في علاقتنا المرضية بها.
في عشقنا للصراع، في إدماننا للعداء، في استعدادنا الدائم لتبرير القتل إذا أصاب “الخصم”.
الكيزان والبلابسة ليسوا مجرد تيار سياسي، بل ثقافة عنف، ومنظومة أخلاق مقلوبة، ترى في السلام هزيمة، وفي استمرار الحرب “نقاءً ثوريًا” زائفًا.
تحية لمحمد طلب، ولكل ناشط يكتب من موقع الضمير لا من خندق الكراهية.
هذه الكتابات ليست ترفًا فكريًا، بل فعل مقاومة أخلاقية في زمن الانحطاط.
هي محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من إنسانيتنا، قبل أن نُقنع العالم – وربما أنفسنا – بأننا شعب لا يهرب من الحرب إلا ليحملها معه.
نعم، كما قال ذلك “الخواجة” بمرارة صادقة:
أنقذوا السودانيين… من أنفسهم أولًا.
فلا سلام ممكن لو بقينا نهتف للخراب من شرفات الأمان، ولا وطن سيقوم على أخلاق تبيع المأساة بالتقسيط، وتتاجر بالدم باسم الشعارات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..