
قد يبح صوت البرهان و صحبه و هم ينادون على من لجأ من أهل السودان بدول الجوار او نزح إلى الأقاليم فراراً من نيران المدافع و القنابل التي تلقي بها الطائرات و المسيّرات .. و في سبيل ذلك فهم يبذلون كل جهد لأجل ان يعود هؤلاء إلى وطنهم و ديارهم ، بل و يحثون الحكومات في بلدان اللجوء لممارسة كل الضغوط الممكنة للتضييق على السودانيين و إجبارهم على العودة قسراً كما يحدث الآن في مصر و ربما يحدث مثله في السعودية في القريب العاجل ، فكل الدول التي تناصر حكومة بورتسودان لن تتردد في الإستجابة لأي طلب يأتي في هذا الخصوص وهذا ما تقتضيه مصالحهم في المقام الأول ، أمنيّاً كان ذلك أم إقتصاديّا !!
و يتبين بوضوح من خلال جولات البرهان في أحياء العاصمة و أطرافها أن المعنيين بالعودة هم أهل الخرطوم دون غيرها و كأن السودان بكل مدنه و أريافه يُختزل في عاصمته فقط . و هنا تستبين الحقيقة التي لا مراء فيها .. ذلك أنّ حكومة الأمر الواقع تريد من وراء كل ذلك ، الإحساس بشيء من الإستقرار و الأمن ، امنها بالطبع و ليس أمن الرعيّة ، ففي وجود دروع بشرية قد تقيهم هجمات مسيّرات الدعم السريع ينبغي عليهم حشد أكبر عدد ممكن من حولهم حتى يكونوا بمثابة حصن لهم ، و في ذات الوقت فإن العودة تعطي إنطباعاً بأن البلد أصبح آمناً و أن الوضع قد إستقرّ و من ثم يكون في إستطاعة البرهان و زمرته فرض أنفسهم حُكاما و أوصياءً على السودان و شعبه و إيهام العالم بحكوماته و منظماته بأن في السودان حكومة مدنية تمثل الشعب ، والشعب براء منها ، على الرغم من أن أكثر من ثمانية ولايات مازالت في قبضة الدعم السريع و على الرغم من أن صوت المدافع في مناطق كثيرة مازال يدوي و المسيّرات تباغت كالشهب ، و البرهان و من هم وراءه يعلنونها صراحة بأنّ لا مجد لغير البندقية بل و يجرّمون من ينادي بوقف الحرب او يدعو للسلام غائباً كان أم حاضرا ، فليس في ذلك غرابة لأن مع عودة السلام تعود المياه إلى مجاريها و هذا مالا يطيقه أباطرة الحرب و سماسرتها الذين سخّروا كل إمكانياتهم لإجهاض الثورة و التي لو إستمرّت شعلتها لأطاحت برؤوس العديدين منهم بسيف العدالة .. و لعلمهم بهذه الحقيقة فلم يكن أمامهم سوى أن يشعلوا الحرب بعد ان فشل إنقلابهم و خابت كل مساعيهم الأخرى و أيقنوا تماما ألّا سبيل آخر سيعيد لهم فردوس السلطة المفقود !!
فيا من تطالب بعودة اللاجئين و النازحين إلى ديارهم عليك أن تعي الأوضاع التي يعانيها من تطالبهم بالعودة ، أولئك الذين فقدوا أموالهم و مصادر رزقهم و بيوتهم و مغتنياتهم و كل ما ملكوه و جمعوه بمشقة لا يعرفها أمثالك ممن نهبوا و سرقوا و باعوا كل مقدّرات الوطن فلم تسلم منهم بنيته التحتية ولا أراضيه و لا مؤسساته و لا خيرات أرضه التي باتت تصدّر إلى العالم من قبل دولة تعلمها جيداً ناهيك عن معادنه النفيسة التي أصبحت حكراً لكم قبل الحرب و بعدها ، حتى باتت خزائنكم تسخر من خزائن قارون !!
تطالب المواطن بالعودة و تصرّ على ذلك حتى لو كان الثمن كرامة المواطن ، لكن دعني أسألك كيف يتمكن المواطن من العودة إلى بيته الذي أضحى خرائبا و أطلالا بل و مقابرا لا يعلم عن ساكنيها شيئا ، فقد تهدمت الجدران و تحطمت الأبواب و النوافذ و نهب الأثاث و الأجهزة و الأواني و أستلّت أسلاك الكهرباء من داخل الجدران و خُرّبت أنظمة الصرف الصحي و تهشّت مقاعد الحمامات و سرقت خزانات المياه و الموتورات التي ترفع الماء دعك عن السيارات و أجهزة التكييف و كثير غير ذلك … كيف لهذا المواطن المُبتلى بك و بمن أتوا بك ، كيف يتسنى له أن يعيد الحياة لبيت أصبح طللاً و مرتعاً للبوم و السوام و لم يعد يتوفر لديه ما يعينه على توفير ما يقيته و أسرته .. كم من المال يلزمه لإصلاح ما دمرته قذائف طائراتكم و دانات مدافعكم أنتم و ذلك الوحش الذي صنعتموه بأيديكم فأنقلبتم عليه قبل أن ينقلب عليكم ليدفع ثمن ذلك كله المواطن البرىء وحده لا غيره .. قتل و أغتصاب و نهب و ذل دون أن يجد فردا واحداً من الموكلين بحمايته شرطة كان أم جيشاً !!
أوقفوا الحرب يا برهان و تصدّقوا بالمال الذي ظللتم تشترون به السلاح على أفراد هذا الشعب حتى يستطيع العودة و حتى يكون في مقدوره إصلاح بيته و تعميره كما كان من قبل ، فلو أنكم أعطيتم كل فرد عشرين ألف دولار فلن تكون كافية لإصلاح ما لحق ببيته من دمار و تخريب و نهب للممتلكات ناهيك عن ما لحق بالأنفس مما لا تعوّضه مئات الآلاف .. إفعلوا ذلك الآن ثم من بعد يمكنكم مناشدة المواطن للعودة لا مشاددته على النحو الذي مارسته معه السلطات المصرية مؤخّراً ، و إلا فستظل تصيح يا برهان حتى يقول لك كامل إدريس او ناصحه الإعيسر ما قاله عمرو بن معدي يكرب : لقد أسمعت لو ناديْت حيّا
و لكن لا حياة لمن تنادي !!
عدا ذلك فلن يكون أمام البرهان و المافيا التي تقف من خلفه إلّا أن يستوردوا شعباً من بلدان اخرى .. و الفي إيدو الدهب ما بعيقه الصعب !!
في الختام يمكنني القول أن لا حياء لمن يُنادي إذ يظل يصيح إلى أن يفقد صوته ، أمّا من يُنادىَ فهو أكثر حياة و أطول عمرا !!



