مقالات وآراء

اختلال ميزان المسلمي : سقوط الانحياز وانتصار المهنية.

السماني شكرالله

إن قرار قناة الجزيرة بإنهاء تعاقدها مع مدير مكتبها في السودان بعد أكثر من عشرين عاماً من العمل ليس واقعة إدارية معزولة، بل محطة كاشفة في سجل العلاقة الشائكة بين الإعلام والسلطة، وبين السبق الصحفي وأخلاقيات المهنة. فالخطأ الذي عجّل بهذا القرار والمتمثل في بث أخبار غير مكتملة عن محاكمة الدكتور الوليد آدم مادبو قبل استنفاد درجات التقاضي لم يكن زلة عابرة، بل تجاوزاً صريحاً لقاعدة راسخة: أن الإعلام لا يملك حق إصدار أحكام موازية للقضاء.

لقد قوبل ذلك النشر باستنكار ملحوظ في الأوساط الحقوقية والصحفية، لأن التسرع في تناول قضية قيد النظر لا يسيء فقط إلى شخص المعني، بل يمس جوهر العدالة ذاتها. فحين تُقدَّم الوقائع مبتورة أو في صياغة توحي بالإدانة المسبقة، يتحول الخبر من أداة إخبار إلى وسيلة تأثير، ويغدو الإعلام شريكاً عن قصد أو عن غير قصد في تشويش ميزان العدالة.

غير أن هذه الواقعة لا يمكن فصلها عن سياق مهني أطول ظل محل انتقاد مستمر. فقد ارتبط أداء المراسل المعني، في نظر قطاع واسع من المتابعين، بانحياز واضح لخطاب النظام السابق حتى سقوطه، ثم بموقف متشكك من مسار الحكومة المدنية، وصولاً إلى تغطيات بدت متساهلة مع انقلاب أكتوبر 2021. هذا النمط المتكرر من التغطية أضعف، بمرور الوقت، صورة الحياد المفترض، ورسّخ انطباعاً بأن المنبر الإخباري يُستخدم أحياناً لتصفية حسابات سياسية أكثر منه لنقل الوقائع بميزان متكافئ.

من هذه الزاوية، يبدو قرار القناة أقرب إلى تصحيح مهني متأخر منه إلى إجراء تأديبي محدود. فالمؤسسات الإعلامية الكبرى لا تُحاسَب على خطأ منفرد، بل على قدرتها على صون معاييرها حين تتعرض للاختبار. والمصداقية، وهي العملة الأندر في سوق الإعلام، لا تُستعاد إلا بإجراءات واضحة تعلن أن الانحراف عن أصول المهنة مهما طال السكوت عليه ليس قدراً مقبولاً.

إن الدرس الأهم في هذه الواقعة يتجاوز الأشخاص إلى بنية العمل الإعلامي في السودان. ففي بلد يمر بتحولات عاصفة، يصبح الالتزام الصارم بالدقة والتوازن ليس ترفاً مهنياً، بل ضرورة وطنية. فالإعلام، إن لم يكن حارساً للحقيقة، يتحول بسهولة إلى طرف في الصراع. وعند تلك النقطة يفقد وظيفته الأساسية: أن يكون مرآة للواقع لا أداة لإعادة تشكيله وفق أهواء سياسية.

‫2 تعليقات

  1. ما يحصل الآن في قطر اصبح يزعج تنظيم الاخوان، القيادة القطرية لا يمكن ان تقف في وجه التغيرات الحاصلة في المواقف تجاه الاخوان المسلمين اغلبية دول العالم بدا تنظر بجدية بتصنيف الاخوان المسلمين تنظيما ارهابيا ،، فما تبقى من هذا التنظيم يوجد فقط في السودان وايران، وكلتا الحكومتين السودانية والايرانية تحت مرمى الضربات الغربية، فمن الصعب لقطر ان تلعب في الحياد كما كانت تفعل دائما مع جيرانها وتستخدم عصا الجماعات الارهابية لمواجهة اخوانها من الدول العربية،، فطرد المسلمي الكباشي وكثيرون من الاعلاميين الفلسطين ، هي بادرة قطرية لطرد من تبقى من الاخوان الفاعلين في قطر

  2. الحبيب د. الفنجري كفيت ووفيت، وإن كان لي من تعليق فأقول إن كثيراً من ممتهني الصحافة والإعلام في مختلف ساحاتها صاروا كالحرباء والعنقاء أصواتهم تتعالي كل وقت ووحين ومالئين الساحات ضجيجاً إلا من قول الحقيقة مما جعل التشكيك فيما ينقلونه موضع سخرية واستهزاء علي الدوام وها هو أحد الأبواق يتصرع الآن غير مأسوفاً عليه والبقية تأتي قريباً باسم الواحد الأحد وإن غداً لناظره لقريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..