
جاء في الحديث النبوي الشريف أن المرأة تُنكح لمالها وجمالها وحسبها ونسبها، وهي أسباب بشرية تحكمها الغرائز والمصالح، لكنها ـ كما أوضح النبي محمد صلى الله عليه وسلم ـ ليست غاية الزواج ولا مقصده الأعلى، حين قال: «فاظفر بذات الدين تربت يداك».
بهذا التوجيه، وضع الرسول قاعدة أخلاقية تتجاوز ظاهر المصالح إلى جوهر القيم، وجعل من “الدين” ميزاناً للعلاقات الإنسانية، لا باعتباره طقوساً أو شعارات، بل ممارسةً تحقق إنسانية الإنسان في الأرض.
ومن هذا المدخل، يمكن قراءة سلوك المجتمع الدولي، وتحديداً ما يُعرف بـمبادرة «الرباعية» لحل مشكلة السودان.
ومصالحها في السودان. فالعلاقات الدولية، مثلها مثل العلاقات البشرية، تحكمها في ظاهرها المصالح: مصالح مشتركة، ومصالح خاصة، ونفوذ، وهيمنة، ومواقع استراتيجية. وهي كلها دوافع لا تخرج عن منطق “المال والجمال والحسب”، أي منطق الغريزة السياسية والمطامع الجيوسياسية.
السودان، بما يملكه من موقع استراتيجي، وموارد طبيعية، وعمق جغرافي وأمني، تحوّل إلى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية وحتى دول الجوار . فكل طرف من أطراف الرباعية ينظر إليه من زاوية ما يمكن أن يربحه: أمن البحر الأحمر، مكافحة الهجرة غير النظامية، محاربة الإرهاب، الموارد، أو توسيع دوائر النفوذ. وفي خضم هذا الصراع، يغيب السؤال الجوهري: أين الإنسان السوداني من كل هذا؟
يقول الأستاذ محمود محمد طه إن الدين ليس ما تتبناه الجماعات من عقائد أو أيديولوجيات، بل هو “عمل الناس في الأرض”، وأن الرسالات السماوية جاءت لتنظيم حياة الإنسان لا لتجريده من إنسانيته. ومن هذا الفهم، فإن الدين ـ بمعناه العميق ـ هو تحقيق العدالة، وصون الكرامة، وحفظ الحياة وتحقيق إنسانية الإنسان.
لكن المجتمع الدولي، رغم مواثيق الأمم المتحدة، ورغم كثرة المنظمات والبعثات والشعارات الإنسانية، ما زال عاجزاً عن ترجمة هذه القيم إلى واقع ملموس في السودان في غيره من مناطق النزاعات. فالحرب مستمرة، والنزوح يتفاقم، والمجاعة تطرق الأبواب، بينما تظل المبادرات حبيسة البيانات، والضغوط محكومة بحسابات المصالح لا بميزان القيم.
إن السلام ووقف الحرب ليسا مجرد مطلب سياسي أو أمني يحتمل المزايده والتنافس وصراع المصالح، بل هما ـ بالمعنى الإنساني العميق ـ “الدين” الذي إن ظفر به العالم تربت يداه. فبدون سلام عادل، لا قيمة لكل الحديث عن الاستقرار، ولا معنى لكل الشعارات عن حماية المدنيين وبناء الدولة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ستظل الرباعية تنظر إلى السودان بعين المصالح وحدها، أم أنها ستنتصر لقيمة الإنسان، وتدرك أن أعظم ربح يمكن تحقيقه هو إنقاذ وطن وشعب من الانهيار؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لإنسانية العالم، لا في النصوص والمواثيق، بل في الفعل والموقف والمسؤولية.



