
رسالة عاجلة إلى:
“فصائل القوي المدنية المؤمنة بالتحول المدني الديمقراطي في السودان كافة”
فحوي هذة الرسالة، مضمن في مقالنا الذي نشر في الراكوبة الغراء، بتاريخ 3 أكتوبر 2024 تحت عنوان: ” ماذا لو توقف أطلاق النار في السودان الآن…”
حتما، هذا التساؤل ما زال مشروعا وذو أهمية بالغة، ويتطلب أن ترتفع فصائل القوي المدنية عند الإجابة عليه، إلي درجة عالية من الروح الوطنية والمسؤلية، تجعل الإنفراد بتصدر المشهد السياسي، والإدعاء بتمثيل الشعب السوداني، آخر إهتماماتها.
نعم هنالك العديد من الكتل السياسية والنقابية و ومنظمات المجتمع المدني المؤمنة بضرورة إنهاء هذه الحرب الكارثية واستعادة مسار ثورة ديسمبر المجيدة والتحول المدني الديمقراطي؛ وهنالك عشرات المبادرات من الحادبين علي ذلك داخل وخارج السودان. وعلي الرغم من تقاطع وتوافق رؤي واطروحات هذة الكيانات الوطنية في:
* إنهاء الحرب،
* تقديم العون الإنساني واستقرار النازحين واللاجئين
* الإعمار، وإصلاح المرافق الصحية والتعليمية والمياه والكهرباء…
* بناء الجيش الوطني الواحد بعقيدة حماية البلاد والبعد عن النشاط السياسي،
* قيام حكم انتقالي يفضي إلي تحول مدني ديمقراطي حقيقي.
* عدم الإفلات من العقاب لمرتكبي الجرائم في حق الشعب السوداني قبل وأثناء هذه الحرب المدمرة.
رغم الإجماع علي كل ذلك، تشهد نشاطات فصائل القوي المدنية الديمقراطية، تشظي مؤسف وغير مبرر! نعم، غير مبرر خاصة في هذا الوقت الحرج من تاريخ بلادنا. ولذلك نري أنه من الضروري أن نتحدث بشفافية ونضع النقاط علي الحروف، حتي نساهم ولو بقدر يسير في كشف الأسباب الرئيسية وراء هذا الوضع المأزوم.
أولا، يجب علي كل فصائل “القوي المدنية الديمقراطية ” دون استثناء، بما فيها صمود، قوي التغيير الجذري، النقابات، منظمات المجتمع المدني … وكل الذين كانوا تحت مظلة قوي الحرية والتغيير ( قبل تفتتها)، الاعتراف بأنهم كلهم قد اشتركوا في ارتكاب “الخطأ التاريخي: [ إشراك اللجنة الأمنية لقيادة النظام البائد، في الحكومة الانتقالية، بشقيها السيادي والتنفيذي]، بعد سقوط النظام البائد.
نعم هنالك من القوي السياسية من استدرك ذلك الخطأ وانتقد نفسه، قبل الآخرين ونشير هنا مباشرة الي خروج الحزب الشيوعي من قحت في نوفمبر 2020. ونشير الي مراجعة الموقف من مشاركة العسكريين في الحكم الإنتقالي من قبل فصائل قحت الأخري، أثناء مداولات الإتفاق الإطاري، وهو موقف، وإن أتي متأخرا، لكنه أتي وتأكد داخل ” تقدم” ولاحقأ في “صمود”. إذا، ذم من راجع موقفه متأخرا، بات في الوقت الحاضر بلا مبرر، لذلك، ان تكرار مقولة “الهبوط الناعم”، من قبل الجذريين، أيضا باتت في حكم ماض تم التخلص منه! نعم أخطأت “قحت” قبل تشظيها وبعد ذلك، وتم استدراك الاخطاء: لذا، لا نري ضرورة لتكرار ذكرها من قبل الفصائل الأخري، وهنا نعني قوي للتغيير الجذ ي. ونذكر بأن الأخطاء -من قبل الجميع- واردة في المستقبل أيضا.
وبنفس الشفافية، نشير إلي رفض فصائل التغيير الجذري الجلوس مع مجموعة “تقدم”، “صمود” لاحقا، (كمجموعة)، وتفضيل الجلوس معها ككيانات منفردة. وربما يكون ذلك مبرر لتأكيد الإلتزام بما يتم الاتفاق عليه. لكن المدهش، أن هذة الكيانات عندما جاءت منفردة في مناسبات أخري (الاجتماعات التي نظمتها مجموعة معاشيي القوات المسلحة مثلا)، في القاهرة مؤخرا، تغيبت عنها قوي التغيير الجذري، ربما لأسباب لا نعلمها!
قد يكون صحيحا، أن نشاط مجموعة صمود مركز بالدرجة الأولي خارج السودان، وهذا أحد مثالب هذ العمل، التي نالت نصيبا كبيرا من انتقاد قوي التغيير الجذري، وخاصة الحزب الشيوعي، حيث ان العمل داخل البلاد هو الأهم والأقرب إلي الجماهير المكتوية بنار الحرب. في نفس الوقت، الإبتعاد عن العمل في نطاق المجتمع الدولي، قد يؤدى إلي عزلة ضارة بقضية الشعب السوداني وهذا الي حد ما ملاحظ في نشاط الجذريين. نقول هنا بشفافية أيضا، أن لكلا التوجهين، “صمود” و “الجذريين”، قصوره وتقصيره! وكان الأجدى أن يتم التنسيق بينهما حتي يكملان بعضهما البعض، بدلا عن تبادل الانتقاد عن بعد والتشظي المؤسف في هذا الوقت الحرج.
صحيح أن الصراع الداخلي في الكيانات السياسية أو الإجتماعية، أمر حتمي، وصحي ويقود بالضرورة الي تحسين الأداء والتطور إن أحسنت إدارته. ونحن في السودان لسنا باستثناء عن هذة القاعدة. وفي هذا الصدد، يبدوا أن أغلب فصائلنا السياسية، خاصة الأحزاب، تمر بصراعات، داخلية حادة غير محسومة، أو بالأحري، تحتاج إلي إدارة أحسن مما هي عليه الآن، ويبدو أن ذلك هو السبب الأهم في غياب التنسيق بين القوي المدنية الديمقراطية في بلادنا. نحن لا نطمح في ” الجبهة المدنية العريضة” التي تم الحديث عنها كثيرا، لكننا علي الأقل نأمل أن يتم حد أدني من التنسيق بين القوي المدنية في هذا الظرف الحرج.
قبل أن أختم هذا الحديث، أذكر بأن نقاط الإتفاق أو الإختلاف لا يمكن تحديدها بدقة دون اللقاء والنقاش المباشر بين القوي المدنية. ومن المؤكد أن الجميع يدرك ذلك جيدا.
كذلك من البديهي والمتوقع ان تكون هناك نقاط اختلاف وتباين في الرؤي، وهذا أمر طبيعي وإلا لكان عندنا حزب واحد في البلاد ! لكن الشئ الهام والضروري أن تتفق القوى المدنية الديمقراطية علي الأقل، علي انهاء الحرب، وعلي الأولويات الضرورية المطلوبة من السواد الأعظم من الشعب بعد وقف الحرب، وأسس واستحقاقات التحول المدني الديمقراطي التي طرحتها جماهير ثورة ديسمبر المجيدة.
من الضروري أيضا، أن تتفق مختلف فصائل القوي المدنية، علي أهمية التنسيق فيما بينها وإلا فانها ستفقد ثقة جماهير الشعب السوداني واحترام المجتمع الدولي وتعرض البلاد علي ان تكون فريسة للارتهان لتقديراته وخدمة مصالحه.
أخيرا أتمني أن يستقبل هذا المقال، بصدر رحب من فصائل القوي المدنية الديمقراطية، وأن يتم تصويبي فيما أخطأت. مع خالص تقديري لكل فصائل القوي المدنية الديمقراطية السودانية وتضحياتها المشهودة وتاريخها الناصع وتجربتها الثرة.
يتبع..



