مقالات وآراء

أعالي النيل الجريحة النازفة: من ينقذها من الهلاك؟ (الجزء الثانى)

بقلم: وليم ساندى دى تور

تقف أعالي النيل اليوم شاهداً مؤلماً على مفارقة قاسية؛ فهي إقليم زاخر بالموارد الطبيعية، لكنه يئن تحت وطأة الفقر في الخدمات، وغياب الأمن، وتآكل البنية التحتية. أرض خصبة تحولت مساحات واسعة منها إلى رماد، ومجتمع عُرف بتماسكه وتعايشه صار ممزقاً بفعل الحروب والصراعات السياسية والانقسامات المجتمعية.

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من يوقف نزيف أعالي النيل قبل أن يتحول إلى انهيار شامل؟
هل هي الدولة التي تعتمد في جزء كبير من موازنتها على نفط الإقليم، لكنها أخفقت في حمايته من التفكك؟ أم القيادات السياسية التي غذّت الانقسامات في صراعها على السلطة، ثم عادت لتتحدث عن المصالحة دون مراجعة جادة للمسار؟ أم المجتمع المدني الذي كان يوماً صمام أمان، قبل أن تُضعفه الاستقطابات والاصطفافات الحادة؟
إنها أسئلة وطنية لا تحتمل التأجيل، لأن أعالي النيل ليست هامشاً جغرافياً، بل ركيزة اقتصادية واستراتيجية في بنية الدولة.

إرث سياسي لم يُفكك
تكشف قراءة التجربة السياسية في جنوب السودان أن جزءاً من الأزمة الراهنة يعود إلى فشل القيادات المتعاقبة في تفكيك الإرث الإداري والسياسي الذي خلفته أنظمة الخرطوم السابقة. فخلال مرحلة الحكم الذاتي بموجب اتفاقية أديس أبابا، ثم في مرحلة ما بعد الاستقلال بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان، لم تتحقق القطيعة الكاملة مع سياسات “فرّق تسد” التي عمّقت الانقسام الإثني ورسّخت القبلية في البناء الإداري.

كان الاستقلال فرصة تاريخية لبناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، إلا أن بعض الأنماط القديمة استمرت بأشكال مختلفة. فقد غلبت الاعتبارات القبلية أحياناً على تصميم الوحدات الإدارية، وتداخلت الانتماءات الإثنية مع معايير التعيين والخدمة العامة، الأمر الذي أضعف الثقة في مؤسسات الدولة وأعاد إنتاج الانقسامات بدلاً من تجاوزها.

عسكرة المجتمع وتسييس الانتماء
تفاقمت الأزمة مع الانتشار الواسع للسلاح وسط المدنيين، وغياب سياسات حازمة لضبط الأمن ومنع الاعتداءات بين المجتمعات المحلية. وتحولت النزاعات المحدودة إلى دوامات من العنف والثأر، لا سيما في أعالي النيل الكبرى.
وجاءت أحداث ديسمبر 2013 لتُدخل البلاد في منعطف خطير، حيث جرى استقطاب مكونات اجتماعية ضمن صراع سياسي على السلطة والثروة. وهكذا انتقل الخلاف من أروقة السياسة إلى ساحات المجتمعات المحلية، مخلفاً موجات نزوح واسعة، ودماراً في الممتلكات، واحتلالاً لأراضٍ، وشرخاً اجتماعياً عميقاً لم تلتئم جراحه بعد.
في خضم هذه التحولات، كان المواطن العادي هو الخاسر الأكبر، يدفع ثمن صراعات لا تخدم مصالحه ولا تعبر عن تطلعاته.

أعالي النيل… إنذار مبكر للدولة
إن استمرار التدهور في أعالي النيل لا يمثل أزمة إقليمية فحسب، بل إنذاراً مبكراً بانهيار أوسع. فالإقليم يشكل ثقلاً أساسياً في إنتاج النفط، ويمتلك إمكانات زراعية وموقعاً جيوسياسياً مهماً. وأي اضطراب مزمن فيه ينعكس مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والسياسي للدولة.
تراجع الإنتاج، وتعطل الزراعة، واستمرار النزوح، وضعف الإدارة المحلية، كلها مؤشرات مقلقة. وإذا اختلّ القلب الاقتصادي والاجتماعي للدولة، فلن يكون من السهل الحفاظ على بقية الجسد.
من هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة جذرية لأولويات الإنفاق العام. فبدلاً من استنزاف الموارد في صراعات عسكرية باهظة الكلفة، ينبغي توجيه نسبة معتبرة من عائدات النفط—لا تقل عن النصف—لإعادة إعمار وتنمية أعالي النيل الكبرى. فثروة الإقليم يجب أن تكون أداة لبنائه، لا سبباً في استدامة أزمته.
إعادة الإعمار بوصفها مشروعاً وطنياً
إعادة بناء أعالي النيل ليست مجرد عملية هندسية لتشييد طرق أو مدارس أو مستشفيات، بل هي مشروع وطني متكامل يستهدف إعادة الثقة بين الدولة والمجتمع. ويتطلب ذلك:
• تأمين العودة الطوعية والآمنة للنازحين واللاجئين؛
• تنفيذ الترتيبات الأمنية ونزع سلاح المدنيين بجدية؛
• إطلاق مسارات مصالحة حقيقية بين مكونات الإقليم؛
• تمكين الشباب اقتصادياً وتوفير فرص عمل تقلص من احتمالات انخراطهم في النزاعات؛
• إصلاح مؤسسات الخدمة المدنية على أسس الكفاءة والعدالة والمواطنة.
كما أن إعادة هيكلة الوحدات الإدارية يجب أن تقوم على اعتبارات جغرافية وخدمية واضحة، لا على حدود قبلية ضيقة. فالغرض من الإدارة هو تسهيل تقديم الخدمات للمواطنين كافة، لا إعادة إنتاج الانقسام بينهم.
بين السلام والانهيار
يقف جنوب السودان اليوم أمام خيار تاريخي: إما الاستثمار في السلام والتنمية، أو الاستمرار في دائرة الاستنزاف. صحيح أن كلفة إعادة الإعمار مرتفعة، لكنها تظل أقل بكثير من كلفة الحرب المستمرة. فالحرب تلتهم الموارد، وتبدد الطاقات، وتعمق الأحقاد، بينما يفتح السلام الباب أمام الاستقرار والنمو.
أعالي النيل تقف على مفترق طرق حاسم. فإما أن تتحول إلى نموذج لإعادة البناء والمصالحة الوطنية، يبعث برسالة أمل إلى سائر أنحاء البلاد، وإما أن يصبح تدهورها المستمر بداية لانهيار أوسع يهدد الدولة نفسها.
إن اللحظة تتطلب شجاعة سياسية صادقة، وقراراً وطنياً حاسماً بتوجيه الثروة نحو الإعمار لا الاحتراب، ونحو الوحدة لا الانقسام. فالوقت يمضي سريعاً، وأي تأخير إضافي قد يجعل الحديث عن الإنقاذ مجرد محاولة متأخرة لاحتواء ما كان يمكن تجنبه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..