مقالات وآراء

الشيوعي السوداني بين الخطاب الثوري ومأزق الممارسة السياسية (6_9)

الحلقة السادسة: من تمثيل الجماهير إلى تمثيل الدور: كيف يتآكل الرصيد الرمزي للحزب
تتوقف هذه الحلقة عند الأثر الرمزي المتراكم لمسار الحزب الشيوعي السوداني، لا من زاوية نواياه المعلنة، ولا من زاوية تبريراته النظرية، وإنما من زاوية ما تركته ممارساته في وعي الناس وصورتهم عنه.
فالحزب الثوري لا يُقاس فقط بمقولاته، ولا بحدة بياناته، وإنما بقدرته على تجسيد أمل اجتماعي حي، وعلى تحويل الغضب الشعبي إلى أفق تاريخي منظم.
الرمز هنا ليس تفصيلاً زخرفياً.
في المجتمعات التي عاشت القمع، يصبح الموقع الذي يشغله الفاعل السياسي دلالة قائمة بذاتها.
حين ينتقل حزب من موقع المواجهة إلى موقع الدور كما فعل في حكومة عبود (المجلس المركزي)، وحكومة نميري، وبرلمان الإنقاذ، ولقاء وزير البنية التحتية لحكومة علي كرتي، حينها يتبدل المعنى حتى لو ظل الخطاب مرتفعاً.
الدور يقتضي لغة محسوبة، وإيقاعاً منضبطاً، وقبولاً بقواعد المشهد القائم.
ومع الزمن، تعيد هذه الشروط تشكيل الفاعل نفسه.
التحول من تمثيل الجماهير إلى تمثيل الدور لا يحدث فجأة.
يبدأ كتكيّف، كتقدير ظرفي، كقراءة للميزان السياسي.
ثم يتحول إلى نمط.
وحين يتكرر النمط، يتراكم أثره في الوعي العام.
الجماهير التي دفعت دماءً لا تنظر إلى التفاصيل الإجرائية، بل تنظر إلى الاصطفاف.
من يقف معها في لحظة الكسر؟
من يغامر؟
من يتحمل الكلفة؟
هذه الأسئلة لا تُطرح في بيانات، بل في السلوك اليومي.
في السنوات الأخيرة، ظهر التناقض بصورة أكثر حدة.
فبدلاً من تبني خط واضح يدافع عن الثورة بوصفها أفقاً مفتوحاً، انخرط الحزب في مسار ساهم عملياً في إضعاف حكومة حمدوك وإسقاطها، دون أن يطرح بديلاً ثورياً متماسكاً.
النقد حق مشروع، والمعارضة واجب سياسي.
غير أن تحويل التشهير والتخوين إلى أدوات رئيسية للعمل السياسي أضعف المجال العام أكثر مما قوّاه.
السلاحان اللذان تمرس عليهما الحزب في صراعاته السابقة عادا ليُستخدما داخل المعسكر الثوري نفسه.
فانتقل الصراع من مواجهة السلطة إلى تفكيك الحاضنة الاجتماعية للثورة.
بهذا المعنى، لم يكن الأثر مجرد خلاف سياسي، بل تآكل في الرصيد الرمزي.
الحزب الذي يُفترض أنه حامل لذاكرة النضال بدا وكأنه يوجّه طاقته إلى خصوم أقرب إليه من خصومه التاريخيين.
ومع كل جولة من التخوين، كان يفقد جزءاً من قدرته على الإقناع الأخلاقي.
الأخطر من ذلك أنه سعى إلى الاحتماء خلف لجان المقاومة، محاولاً التحدث باسمها دون أن يمنحها استقلالها الكامل.
اللجان وُلدت كفعل قاعدي مباشر، كطاقة اجتماعية غير مؤطرة حزبياً.
حين حاول الحزب الاقتراب منها بوصفه موجهاً أو ناطقاً غير معلن، أضعفها بدل أن يقويها.
التجربة أعادت إلى الأذهان ما جرى مع تجمع المهنيين حين جرى تجييره وتحويله إلى ذراع سياسية، فتراجع دوره المستقل وتلاشت حيويته الأولى.
النتيجة لم تكن توسع نفوذ الحزب، بل انكماشه.
إذ حين تفقد الأجسام القاعدية استقلالها، تفقد جاذبيتها، ويُحسب ضعفها على من ارتبط بها.
ومع تراكم الخيبات، لجأ الحزب إلى شعار “التغيير الجذري” كملاذ لغوي واسع، يتيح له الانسحاب من التفاصيل دون مراجعة عميقة للمسار.
الشعار بدا كبيراً، لكنه أخفى فراغاً عملياً.
التغيير الجذري لا يتحقق بالاختباء خلف الكلمات، إنما ببناء أدوات تنظيمية قادرة على تحويل الشعار إلى برنامج ملموس.
إن الشرعية الثورية تُستمد من القدرة على تنظيم الوعي وتحويله إلى قوة تاريخية.
حين يتراجع هذا الدور، يتحول الحزب إلى معلق دائم على الأحداث.
ينتقد، ويرفض، ويُشهِّر، لكنه لا يقود، ويكتفي بدور (المدرب من المصاطب الشعبية).
ومع الوقت، يتشكل وعي جمعي جديد يرى فيه جزءاً من أزمة السياسة، لا أداة لتجاوزها.
التآكل الرمزي لا يعني اختفاء الحزب، إنما يعني تحوله إلى حضور باهت.
وجود بلا تأثير حاسم، وخطاب بلا صدى تعبوي واسع.
الجماهير لا تعلن القطيعة صراحة، لكنها تنسحب بهدوء.
الفتور يصبح لغة صامتة.
في الحلقة القادمة سيتم الانتقال إلى مساءلة هذا المأزق في سياق اللحظة الراهنة، وكيف يمكن لأي قوة سياسية أن تستعيد معناها التاريخي بعد أن يتآكل رصيدها الرمزي.
وهل تكفي الشعارات الكبرى لإعادة بناء الثقة، أم أن الطريق يمر عبر مراجعة جذرية لا تستثني أحداً؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..