مقالات وآراء

مخرج دول الخليج من الأزمة الحالية: تحييد القواعد خيارًا لتفادي الحريق الكبير

د. التوم حاج الصافي زين العابدين .خبير العلاقات الدولية .نيويورك .

تمرّ منطقة الخليج بمرحلة توتر إقليمي بالغ الحساسية، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية الدولية في واحدة من أهم مناطق الطاقة في العالم. وفي مثل هذه اللحظات يصبح السؤال المركزي ليس فقط كيف تُدار الأزمة، بل كيف يمكن منعها من التحول إلى حرب مفتوحة قد تتجاوز آثارها حدود المنطقة بكثير.
فالخليج ليس ساحة جغرافية عادية؛ بل هو مركز أساسي لإمدادات الطاقة العالمية، ويقع في قلب ممرات استراتيجية مثل Strait of Hormuz الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. ولذلك فإن أي حرب واسعة في المنطقة لن تكون مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل قد تتحول إلى أزمة عالمية تمس الاقتصاد الدولي بأكمله.
في هذا السياق تُطرح عدة سيناريوهات للخروج من الأزمة، غير أن بعض هذه السيناريوهات يظل محدود الواقعية. فالحرب الشاملة مع Iran تبدو خيارًا بالغ الكلفة وغير مضمون النتائج، لأن مثل هذه الحرب لن تُحسم سريعًا، بل قد تتحول إلى صراع طويل يهدد البنية الاقتصادية والأمنية للمنطقة. كما أن الرهان على انهيار سريع للنظام الإيراني تحت ضغط المواجهة أو العقوبات يبقى افتراضًا غير مؤكد، لأن التجارب التاريخية تثبت أن الضغوط الخارجية غالبًا ما تعزز تماسك الأنظمة بدل إسقاطها.
لكن السيناريو الذي يستحق نقاشًا جادًا يتمثل في تحييد الخليج عن الصراع عبر إعادة ترتيب وضع القواعد العسكرية الأجنبية مؤقتًا. فوجود قواعد عسكرية تابعة لـ United States في المنطقة يُعد جزءًا من منظومة الأمن التقليدية في الخليج، لكنه في لحظة التوتر القصوى قد يتحول أيضًا إلى عامل جذب للصراع، إذا ما اعتُبرت هذه القواعد منصات عمليات في أي مواجهة محتملة.
ومن هنا يبرز مقترح يقوم على التجميد أو الإيقاف المؤقت للأنشطة العملياتية في تلك القواعد، أو تحييدها مؤقتًا عبر تفاهمات واضحة مع واشنطن، مع إبلاغ Iran دبلوماسيًا بأن أراضي دول الخليج لن تكون منصة لعمليات عسكرية في أي مواجهة إقليمية. الفكرة هنا ليست فك التحالفات الاستراتيجية، بل إدارة الأزمة بطريقة تمنع تحويل الخليج إلى ساحة حرب.
تكمن أهمية هذا الطرح في أن أي صراع واسع في الخليج لن يكون عابرًا أو قصير الأمد. فالحروب في هذه المنطقة، بحكم طبيعة الجغرافيا السياسية وتعقيداتها، قد تمتد لفترة طويلة، وقد تؤدي إلى تعطيل طرق الطاقة العالمية وإدخال المنطقة في دوامة فوضى يصعب احتواؤها سريعًا. وإذا اشتعلت الحرب على هذا النحو، فإن آثارها لن تقتصر على أطراف الصراع، بل ستصل إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
إن تحييد القواعد مؤقتًا قد يبعث رسالة واضحة بأن دول الخليج ليست طرفًا في الحرب، وأن أولويتها الاستراتيجية هي حماية الاستقرار الإقليمي واستمرار تدفق الطاقة العالمية. فالقوة الحقيقية لدول الخليج لا تكمن فقط في قدراتها العسكرية، بل في قدرتها على الحفاظ على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى صراع قد يحرق الأخضر واليابس في المنطقة.
وفي النهاية، قد يكون الخيار الأكثر حكمة ليس في الدخول إلى الحرب، بل في إبعاد الخليج عنها قدر الإمكان. ففي عالم شديد الترابط، تصبح الحكمة السياسية أحيانًا أهم أدوات القوة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..