كيف برز الصراع على الهوية السودانية بعد ثورة ١٩٢٤؟

صدر كتاب “في ذكراها المئوية: دور ثورة ١٩٢٤ في تطور الحركة الوطنية والثقافية” للمؤلف تاج السر عثمان الحاج عن الشركة العالمية للطباعة والنشر ٢٠٢٥. تناول الكتاب ضمن فصوله الصراع الذي برز حول الهوية السودانية، نعيد نشر هذا الفصل في ظروف الحرب اللعينة، ومخاطر تحولها إلى حرب عرقية واثنية وقبلية، تهدد وحدة البلاد وهويتها مع إطالة أمد الحرب، مما يتطلب أوسع حراك جماهيري قاعدي لوقف الحرب واسترداد مسار ثورة ديسمبر، وشعارها: “يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور.”
1
تناولت قضية الهوية السودانية بتفصيل في كتاب بعنوان “الهوية والصراع الاجتماعي في السودان” للمؤلف تاج السر عثمان الحاج، دار المصورات 2021، لكن سوف نركز هنا على أثر ثورة 1924 على الهوية السودانية.
أوضحنا سابقًا أن الصراع الاجتماعي حول قضية الهوية كان على بساط البحث منذ نهوض الحركة الوطنية الحديثة في تكوين جمعيتي الاتحاد السوداني واللواء الأبيض وقيام ثورة 1924، وبرزت في:
- ما كتبه عبد الرحمن الضرير في كتابه “العربية في السودان” لإثبات عروبة السودان، وكذلك محمد عبد الرحيم في كتابه “نفثات اليراع في الأدب والتاريخ والاجتماع” دافع عن عروبة السودان وإسلاميته.
- صراع علي عبد اللطيف مع سليمان كشة الذي كتب صيغة “شعب سوداني كريم” كبديل لصيغة “شعب عربي كريم”، باعتبار أن مكونات الشعب السوداني أفريقية وعربية، ولا يمكن إرجاع الكل إلى الجزء، بل الجزء للكل.
هذا كان تعبيرًا عن الصراع بين القوى المتعاونة مع الاستعمار (زعماء الطوائف، بعض الزعامات القبلية، كبار التجار والخريجين) الذين ضيّقوا واسعًا واختزلوا كل مكونات شعب السودان وتعدده القومي والديني والإثني والثقافي في “شعب عربي كريم”، وبين صيغة سودانية أوسع فيها متسع للجميع عبّر عنها ثوار 1924، كانت إذا استمرت أن تحفظ للسودان وحدته وتطوره من خلال التنوع، باعتبار أن التعدد عامل قوة وتماسك للحمة المجتمع السوداني، من خلال دولة المواطنة التي تسع الجميع غض النظر عن الدين أو اللغة أو الثقافة أو العرق أو المعتقد السياسي والفلسفي.
في مواجهة مخطط الاستعمار لتفتيت نسيج المجتمع السوداني بتكريس العنصرية والقبلية كتب الشاعر يوسف مصطفى التني قصيدة “في الفؤاد ترعاه العناية” التي جاء فيها:
نحن للقومية النبيلة
ما بندور عصبية القبيلة
تربي فينا ضغائن وبيلة
تزيد مصائب الوطن العزيز
مالي مال تاريخ القبيلة
نحن شعبة وحيدة وأصيلة
وهذه القصيدة كان يرددها الثوار إبان مظاهرات 1924 في العاصمة والمدن السودانية.
- طرح حمزة الملك طمبل للتجديد في الأدب السوداني، كما أشرنا سابقًا، بحيث يعبر عن واقع وخصوصية السودان، لا النقل الأعمى لطبيعة الصحراء والبلدان العربية.
2
بعد احتكاك الأدباء والشعراء والكتاب السودانيين بالثقافة الغربية وسفرهم لإنجلترا وألمانيا وغيرهما للدراسة والعمل قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، برزت قضية الهوية، بحيث عانى هؤلاء من تحديد هويتهم، فلا هم عرب ولا أفارقة.
عكسها الطيب صالح في رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” عندما سألت إيزابيلا سيمور مصطفى سعيد، بطل الرواية: ما جنسك؟ هل أنت إفريقي أم آسيوي؟ فأجابها: أنا مثل عطيل، عربي إفريقي. فقالت: نعم أنفك مثل أنوف العرب في الصور، ولكن شعرك ليس فاحمًا مثل شعر العرب.
والسؤال نفسه واجهه الشاعران محمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر في ألمانيا في الستينيات، حيث عبر النور عن حيرة الأوروبي في تصنيفه بقوله: إنه يرفض هويتي الإفريقية حين أفكر، ويرفض هويتي العربية حين أكون.
مما عكس ازدواجية الهوية الثقافية والإثنية للإنسان السوداني.
وقد عبّر عن ذلك محمد المكي إبراهيم في قصيدته (بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت) التي يقول فيها:
الله يا خلاسية
يا بعض عربية
وبعض زنجية
مع نهوض حركات التحرر الوطني بعد الحرب العالمية الثانية، برز الاهتمام بالخصوصية الثقافية والإثنية لشعوب إفريقيا والعالم العربي وآسيا وأمريكا اللاتينية، كما في حالة شعب الجزائر الذي رفض فرض الثقافة واللغة الفرنسية عليه، وظهور قادة أكدوا الهوية المستقلة لإفريقيا وتحررها مثل: نيلسون مانديلا، أوغستينو نيتو، نكروما، جوليوس نيريري، لوممبا، سنغور الذي دعا للزنجية في إفريقيا.
وأصبحت دول العالم الثالث تهتم بخصوصياتها الثقافية، وترجع لجذورها الحضارية التي بذل الاستعمار جهدًا كبيرًا في طمسها، ومن ضمن هذه الدول السودان الذي يتميز بتعدده وعمقه الحضاري والثقافي العربي والإفريقي.
وتطورت حركة التجديد في الشعر الحديث من حيث الشكل والمضمون في التعبير عن قضايا التحرر الوطني وقيم الحرية والعدالة الاجتماعية والواقعية الاشتراكية، وكان من الرواد السودانيين في الشعر الحديث: جيلي عبد الرحمن، تاج السر الحسن، محي الدين فارس، محمد مفتاح الفيتوري، وكان جيل الرواد السودانيين جزءًا من طلائع الشعراء الذين قادوا دفة الشعر الحديث في المنطقة العربية مثل: صلاح عبد الصبور، أحمد عبد المعطي حجازي، البياتي، أمل دنقل، محمد مهدي الجواهري، بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي وغيرهم.
3
كانت العودة إلى سنار عاصمة السلطنة الزرقاء أو مملكة الفونج تعبيرًا عن التمازج العربي الأفريقي، كما عبّر عن ذلك المرحوم د. محمد عبد الحي في ديوانه المشهور (العودة إلى سنار).
رغم أن (الغابة والصحراء) التي برزت في الستينيات ليست مدرسة متكاملة الأركان، لكنها كانت تعبيرًا عن التمازج العربي الأفريقي في ثقافتنا وأدبنا السوداني، وكان من رموزها الشعراء: محمد عبد الحي، محمد المكي إبراهيم، النور عثمان أبكر وغيرهم.
وكانت رمزية (الغابة والصحراء) تعبيرًا عن الهوية السودانية التي هي نتاج تفاعل بين المكونات الثقافية المتنوعة في البلاد (عربية وأفريقية)، وكان ذلك في مواصلة لما طرحه ثوار 1924 حول الهوية السودانية، ودعوة حمزة الملك طمبل لاستنباط أدب يعبر عن السودان وخصائصه المحلية.
كما واصل هذا الاتجاه جماعة الفجر (مجلة الفجر) في الثلاثينيات، ومن أبرزهم: معاوية نور، عرفات محمد عبد الله، محمد أحمد المحجوب، يوسف مصطفى التني، ودعوتهم لقيام أدب قومي سوداني يعبر عن الذات السودانية ببعديها العربي والإفريقي.
وقد عبّر عن ذلك المحجوب في عدد (الفجر) الصادر في 16/6/1935 بقوله:
نحن إن نادينا بقيام الأدب القومي للطبيعة المحلية، فإنما ندعو إلى خلق شعب بكيانه يعبّر عن مرئياته من سماء زرقاء أو ملبدة بالغيوم، ومن غابات وصحراوات قاحلة ومروج خضراء، ومن إيمان بالكجور والسحر إلى إيمان بالله وحده لا شريك له.
كما واصل الشاعر محمد المهدي المجذوب ذلك كما في دواوينه “الشرافة والهجرة” و*”نار المجاذيب”*، حيث عمل على عكس مظاهر الحياة السودانية في أشعاره، وأدخل إنسان الجنوب والعرق الزنجي كمكون من مكونات الثقافة السودانية في قصائده التي عُرفت بـ”الجنوبيات”، كما جاء في شعره:
وعندي من الزنج أعراق معاندة
وإن تشدق في أشعاري العرب
وانعكس الصراع الاجتماعي حول هوية السودان كما جاء في أغنية الكاشف وكلمات السر قدور “أرض الخير أفريقيا مكاني” التي جاء فيها “أنا أفريقي أنا سوداني”، التي وضعت السودان في إطاره الأفريقي، وعلى النقيض لها ما جاء في أغنية حسن خليفة العطبراوي، للشاعر محمد عثمان عبد الرحيم “أنا سوداني” التي ضيّقت واسعًا حينما جاء فيها: “لوحة العرب أصلها كرم، والي العرب تننسب الفطن.”
كما عبّر شعراء الحداثة: جيلي عبد الرحمن، تاج السر الحسن، محمد عثمان كجراي، الفيتوري، محي الدين فارس، وجاء بعدهم صلاح أحمد إبراهيم، محمد عبد الرحمن شيبون، محمد عبد الحي، محمد المكي إبراهيم، النور عثمان أبكر عن المضمون التحرري المنحاز للشعوب والجانب الإفريقي في أشعارهم كما جاء في دواوينهم: “قصائد من السودان” لتاج السر الحسن وجيلي عبد الرحمن، ودواوين الفيتوري مثل: “عاشق من إفريقيا” و*”أغنيات إفريقيا”* و*”اذكريني يا إفريقيا”*.
كما أصدرت دار النشر بجامعة الخرطوم في سبعينيات القرن الماضي مؤلفات مهمة عكست التعريف بالأدب والتراث الإفريقي والتمازج العربي الإفريقي مثل مؤلفات جمال محمد أحمد: “وجدان إفريقيا”، “سالي فو حمر”، الذي عكس التعايش بين الإسلام والمسيحية والديانات الإفريقية المحلية.
4
في سبيل دحض ادعاءات الاستعمار الغربي أن إفريقيا لم يكن لها حضارة وتاريخ وثقافة، جرى البحث عن ممالك مثل مروي وتمبكتو التي سبقت الحكم الاستعماري.
ترجم جمال محمد أحمد كتاب بازل ديفيدسون (إفريقيا تحت أضواء جديدة) الذي عكس التطور الحضاري الكبير لمملكة مروي في الجانب الثقافي حيث شهدت اختراع الكتابة المروية، وكان ذلك خطوة كبيرة في نضوج واكتمال حضارة مروي، وتجاوز عبادة الإله آمون بظهور آلهة جديدة محلية: أبادماك، أرنستوفس، سبوي مكر.
كما تفاعل المرويون مع ثقافات وحضارات اليونان والرومان، وكانت حصيلة التفاعل حضارة مروية سودانية ذات خصائص وهوية مستقلة.
ويشير بازل دافيدسن إلى أن الملوك والملكات في مروي كانوا على حظ من الثقافة وسعة الأفق ويعلمون كثيرًا عن عظمة القصور في مصر وينتفعون بعلمهم في عيشهم الباذخ، كما تصوره نقوش معابدهم وحماماتهم، وأنهم يصرفون من فراغهم ومالهم الكثير في إقامة الصروح وتنمية ذوقهم في الفنون.
ويواصل دافيدسن قائلاً: كان لأهالي مروي ثقافة محلية أصيلة أصالة الفنون التي أتقنوها كالحلي الفاخرة والعقود من الحجارة النفيسة، حيث لا يجد الباحث في هذه الصناعات والفنون أثرًا لتقليد، مما جعل علماء الآثار يظنون أن حليهم ومجوهراتهم كانت من صنعهم، وخلفهم ثمانية قرون من الزمان.
كما يشير إلى أن مروي قد لعبت الدور نفسه الذي لعبته أثينا، فطورت مثلها فنونها المميزة ووزعت المعرفة وأذاعت إلى إفريقيا ما أذاعت من خبرة الثقافة والصناعة والعمران.
وقد تكون مروي آنذاك على صلة برصيفتها أثينا، وهذا شاعر يوناني يُدعى “هيلودروس” عاش في القرن الثالث الميلادي يحكي قصة غرام شبّ في قلب فتاة مروية لشاب يوناني وسيم، وحسب دافيدسن قد تكون الفتاة شاعرة كتبت شعرها باللغة المروية.
هذا إضافة لما أصدرته دار النشر بجامعة الخرطوم لعلي المك مثل: (نماذج من الأدب الزنجي الأمريكي).
5
كما استمر الصراع الاجتماعي حول الهوية بعد الاستقلال، كما يتضح من تمترس الإسلامويين في التمسك الأحادي الجانب بالتعصب للإسلام السياسي في الهوية العربية الإسلاموية التي تهمش الثقافات الأخرى، ورفضهم مدرسة الغابة والصحراء، وإفراغهم دعوة الآفروعروبية من مضمونها واختزالها في العودة للعروبة، كما حدث خلال فترة حكمهم لمدة ثلاثين عامًا التي تم فيها تدمير نسيج المجتمع السوداني بإثارة الحروب الدينية والعرقية كما حدث في الجنوب حتى تمّ انفصاله، وحروب الاستعلاء العنصري والديني والإبادة الجماعية للقبائل الأفريقية في دارفور، مما جعل البشير ومن معه مطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية.
وكذلك رفض قادة الأحزاب الطائفية والحكام العسكريون الذين عبّروا عن المصالح الطبقية للرأسمالية السودانية بشقيها المنتج والطفيلي، والقوميون العرب بأشكال مختلفة، مدرسة الغابة والصحراء وتمسكوا بعروبة السودان، كما ظهرت جماعة أبادماك كتعبير عن أن الثقافة والحضارة السودانية أعمق من سنار، بل ترجع إلى حضارات السودان القديم (كرمة، نبتة، مروي، وممالك النوبة المسيحية: نوباتيا، المقرة، علوة)، رغم أن هوية السودان عربية أفريقية لا جدال حولها.
بعد (الغابة والصحراء) برز طرح جديد لا يختلف عنها في المضمون هو (السودانوية)، باعتبارها مخرجًا من ثنائية (الآفروعروبية)، كما عبّر عنها في ثمانينيات القرن الماضي على صفحات مجلة (الثقافة السودانية) كل من: البروفيسور أحمد الطيب زين العابدين، الدكتور نور الدين ساتي، الأستاذ كمال الجزولي، أسامة عبد الرحمن النور وغيرهم.
6
خلاصة الأمر، قضية الهوية لا ننظر لها فقط من الجانب الثقافي، بل من جانب أنها كانت غطاءً للصراع الطبقي والاجتماعي الذي عبّر عن نفسه في شكل استعلاء ديني أو إثني أو عرقي أو قومي كان وبالًا على السودان.
فباسم الاستعلاء الديني والعنصري واللغوي تم قهر الأقليات القومية الأكثر تخلفًا، ونهب ثرواتها وأراضيها الزراعية ومواردها المعدنية وثرواتها الحيوانية من خلال حروب الإبادة ضدها، كما حدث في حكم الإسلامويين لمدة 30 عامًا، وتمت مصادرة الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية، وقهر الكادحين والعاملين، وتعطيل سير البلاد في المسار الوطني الديمقراطي الذي يقيم المجتمع الزراعي الصناعي المتطور، ويرفع مستوى المعيشة وتوفير الاحتياجات الأساسية من: التعليم، الصحة، خدمات الماء والكهرباء والنقل، وينجز الثورة الثقافية التي يتم فيها الاعتراف بالتعدد الثقافي والديني واللغوي، وقيام دولة المواطنة الديمقراطية التي تسع الجميع، وتحل مسألة الهوية لمصلحة وحدة السودان من خلال التنوع، باعتبار ذلك مصدر قوة للبلاد.



