مقالات وآراء

أمراض الكرسي… حين تتحكم “الكنكشة” في عقل الكوز

حسن عبد الرضي

من أخطر الأمراض السياسية والإدارية التي ابتُلي بها السودان خلال عقود حكم الإسلام السياسي ما يمكن أن نسميه بثقافة “الكنكشة”؛ أي التمسك المرضي بالكراسي والمناصب، ولو على حساب القانون والأخلاق ومصلحة الوطن. فالمسؤول في هذه المؤسسة المعنية لا يرى المنصب تكليفًا مؤقتًا لخدمة الناس، بل غنيمة يجب التشبث بها حتى آخر لحظة، ولو انتهت مدته القانونية، أو ثبت فشله، أو ثقلت عليه تبعات المسؤولية، وكأن حواء قد عقرت أن تنجب من يصلح لهذا المنصب غيره.
هذه العقلية هي نفسها التي أفسدت الدولة السودانية طوال سنوات، حين تحولت المناصب العامة إلى ملكيات شخصية، وأصبح الكرسي غاية في ذاته، لا وسيلة لخدمة الشعب.
ولعل ما يجري اليوم في وزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم مثالٌ صارخ على هذه الظاهرة.
فمن الموضوعات التي يتداولها المعلمون بقلق وغضب بقاء المدير العام والوزير المكلَّف، المعاشي، في موقعه رغم أنه بالقانون كان يفترض أن يغادر الخدمة منذ سنوات. فبحسب المعلومات المتداولة بين الزملاء، فإن تاريخ ميلاده الأصلي هو ١٠ فبراير ١٩٥٧، ما يعني أنه ينبغي أن يدرك سن المعاش في عام ٢٠٢٢. غير أن ما حدث – وفق ما يذكره العاملون في الحقل التعليمي – هو التلاعب بتاريخ الميلاد، ليظل الرجل في موقعه حتى أُحيل إلى المعاش في أكتوبر ٢٠٢٥. لكن حتى بعد ذلك، لم يغادر الوزارة، وظل ممسكًا بزمام السلطة وكأن الكرسي حق مكتسب لا ينتهي بانتهاء الخدمة. هنا يطرح المعلمون سؤالًا بسيطًا لكنه عميق:
كيف يمكن لمؤسسة بحجم وزارة التربية والتعليم – وهي المعنية بتربية الأجيال على القيم والانضباط والالتزام بالقانون – أن تُدار بهذه الطريقة؟
إن التعليم ليس مجرد إدارة بيروقراطية، بل رسالة أخلاقية قبل كل شيء. وعندما يرى المعلمون والطلاب أن القانون يمكن التحايل عليه، وأن المسؤول يمكن أن يبقى في موقعه رغم بلوغ سن المعاش، فإن الرسالة التربوية نفسها تتعرض للتشويه. ثم إن الأمر لا يقف عند حدود البقاء في المنصب، بل يتزامن – كما يشير كثير من المعلمين – مع سلسلة من الأزمات التي تضرب الوزارة، ومنها ما أثير حول الفساد في امتحانات التلاميذ الذين جلسوا للامتحان بولاية الجزيرة، وما صاحب ذلك من حديث واسع عن تجاوزات مالية وتنظيمية، فضلًا عن شكاوى متكررة من المحسوبية في التعيينات داخل الوزارة. إذ يلاحظ كثير من العاملين أن عددًا كبيرًا من الكوادر القيادية في الوزارة ينتمون إلى المحلية التي ينتسب إليها المسؤول نفسه، وهو أمر يثير تساؤلات مشروعة حول معايير الاختيار والتكليف: هل تقوم على الكفاءة والخبرة، أم على روابط الجغرافيا والولاء؟
إن وزارة التربية والتعليم يجب أن تكون نموذجًا للنزاهة والشفافية، لا ساحة للصراعات الشخصية أو للمحسوبية الضيقة.
والحقيقة المؤلمة أن الكنكشة في الكراسي ليست مجرد سلوك فردي، بل هي جزء من ثقافة سياسية رسختها جماعات الإسلام السياسي في مؤسسات الدولة. فقد تعودت هذه الجماعات أن تعتبر الدولة غنيمة، والمناصب حصصًا، والوظائف العامة امتدادًا للنفوذ التنظيمي.
ولهذا ظل المسؤول عندهم يتشبث بالكرسي كما يتشبث الغريق بخشبة في البحر؛ لأن مغادرة المنصب تعني بالنسبة له فقدان السلطة والامتيازات والنفوذ.
لكن الدول لا تُبنى بهذه العقلية. فالدول الحديثة تقوم على تداول المسؤولية، واحترام القانون، وتجديد القيادات. فالمنصب العام ليس ملكًا لصاحبه، بل أمانة مؤقتة تنتهي بانتهاء مدتها.
ولهذا فإن القضية المطروحة اليوم ليست قضية شخص بعينه، بل قضية مبدأ: هل سنواصل إدارة مؤسسات الدولة بعقلية الكنكشة والمحسوبية؟ أم نفتح الباب لإدارة حديثة تقوم على الشفافية والمحاسبة والكفاءة؟
إن المعلمين – وهم أكثر الفئات احتكاكًا بواقع التعليم – يدركون أن إصلاح التعليم يبدأ أولًا بإصلاح إدارة التعليم نفسها. فلا يمكن أن نطلب من المعلم أن يغرس في طلابه قيم النزاهة والالتزام، بينما يرى بعينيه أن القانون يمكن الالتفاف عليه، وأن الكرسي يمكن أن يصبح أبديًا.
إن السودان الذي يحلم به المعلمون والطلاب معًا هو سودان المؤسسات لا الأشخاص، وسودان القانون لا النفوذ، وسودان المسؤولية لا الكنكشة.
وعندها فقط يمكن أن تستعيد وزارة التربية والتعليم مكانتها الحقيقية: بيتًا لتربية الأجيال… لا ساحةً لصراع الكراسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..