أهم الأخبار والمقالات
الحدود البحرية السعودية السودانية.. نصف قرن من الغموض ومخاطر التفريط في السيادة والثروة

ظلت الحدود البحرية بين السعودية والسودان، رغم مرور أكثر من نصف قرن على بدء النقاشات بشأنها، دون حسم نهائي واضح ينهي حالة الغموض القانوني والسياسي المحيطة بها. ولا يتعلق الأمر بخلاف فني محدود حول خطوط بحرية، بل بملف يرتبط بالسيادة الوطنية، وحقوق استغلال الموارد، وأمن الملاحة، ومستقبل الثروات المعدنية والهيدروكربونية المحتملة في البحر الأحمر.
وتزداد أهمية هذا الملف في ظل الحرب السودانية وما أفرزته من إضعاف للمؤسسات الوطنية، وتزايد الاعتماد على الدعم الخارجي، وتنامي الحضور الإقليمي في الموانئ والساحل ومشروعات التعدين والاستثمار. وفي مثل هذه الظروف، يصبح بقاء الحدود الاقتصادية والبحرية دون تسوية نهائية مصدر قلق حقيقي، لأنه قد يفتح المجال أمام ترتيبات طويلة الأجل تُبرم في ظل اختلال واضح في موازين القوة التفاوضية.
اتفاق 1974.. تسوية مؤقتة لا ترسيم نهائي
تعود جذور الملف إلى اكتشاف رواسب معدنية مهمة في قاع البحر الأحمر منذ ستينيات القرن الماضي، ولا سيما في المنطقة الواقعة بين الساحلين السعودي والسوداني. وفي مايو 1974، توصل الطرفان إلى اتفاق لتنظيم استغلال الموارد البحرية، وقُسمت المنطقة إلى ثلاثة نطاقات رئيسية: نطاق غربي بمحاذاة الساحل السعودي حتى عمق ألف متر، ونطاق شرقي بمحاذاة الساحل السوداني حتى العمق نفسه، ومنطقة مشتركة تُمنح فيها حقوق متساوية للطرفين.
غير أن هذا الاتفاق لم يكن ترسيما نهائيا للحدود البحرية بقدر ما كان ترتيب لتنظيم الاستغلال وتجميد الخلافات مؤقتا كما أُنشئت اللجنة السعودية–السودانية لتنمية موارد البحر الأحمر، برئاسة وزيري الثروة المعدنية في البلدين، مع مساهمة وتمويل سعودي أكبر في عمليات الاستكشاف والتطوير.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: لماذا استمر هذا الترتيب المؤقت طوال هذه العقود دون أن يتحول إلى اتفاق نهائي واضح يحدد الحدود البحرية والحقوق السيادية والاقتصادية لكل طرف؟ وهل أدى استمرار الوضع المؤقت إلى خدمة مصالح الطرف الأكثر قدرة ماليًا وتقنيًا وتفاوضيًا، على حساب الطرف الذي ظل يعاني من ضعف الدولة واضطراب مؤسساتها؟
ولا ينبغي أن ينحصر النقاش في المعادن وحدها، إذ إن أي تقييم مستقبلي للمنطقة يجب أن يشمل أيضا احتمالات وجود موارد هيدروكربونية في قاع البحر، وأن يحدد بدقة طبيعة الحقوق التي يمنحها اتفاق 1974 لكل طرف، وحدود الانتفاع المشترك، وما إذا كانت هذه الحقوق مؤقتة أو قابلة للتطوير في ضوء قواعد القانون الدولي للبحار فغياب التفسير القانوني الحديث قد يترك ثغرات تسمح بتأويل الاتفاق بما يخدم الطرف الأكثر قدرة على فرض شروطه.
ثروات أتلانتس والغموض حول مستقبل الاستغلال
تُعد منطقة حوض أتلانتس الواقعة في البحر الأحمر بين جدة وبورتسودان من أكثر المناطق إثارة للاهتمام من الناحية الجيولوجية والاقتصادية، بسبب ما تشير إليه الدراسات السابقة من وجود رواسب للزنك والفضة والنحاس والكادميوم والزئبق والذهب والحديد ومعادن أخرى.
وقد قدرت بعض التقييمات السابقة القيمة المحتملة لهذه الموارد بمليارات الدولارات، رغم أن تحويلها إلى ثروة منتجة يتطلب تقنيات متقدمة واستثمارات ضخمة وظروفًا أمنية مستقرة.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الموارد المحتملة، بل في غياب تقييمات علنية حديثة وكافية تحدد بدقة حجم الاحتياطيات، وطبيعة ملكيتها، وآليات تقاسم عوائدها، وحدود المناطق التي يحق لكل طرف استغلالها بصورة منفردة أو مشتركة. وهذا الغموض لا يؤثر على البلدين بالتساوي؛ فالدولة الأكثر استقرارًا وقدرة على التمويل والوصول إلى التكنولوجيا تستطيع الانتظار، وإجراء الدراسات، وبناء النفوذ، وصناعة الوقائع الاقتصادية والسياسية تدريجيا.
الحرب السودانية وتنامي النفوذ السعودي
أدت الحرب السودانية إلى إضعاف قدرة الدولة على إدارة ملفاتها السيادية الكبرى، ورفعت مستوى الاعتماد على القوى الخارجية في مجالات التمويل والدعم السياسي والأمني خصوصا في أعقاب الانقلاب العسكري الدي قاده قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان في أكتوبر 2021 والذي أطاح بالحكومة المدنية
وفي هذا السياق، يتزايد الاهتمام الإقليمي بالموانئ والساحل السوداني وموارد البحر الأحمر، باعتبارها جزء من التنافس على طرق التجارة والطاقة والنفوذ البحري في المنطقة.
وفي مطلع عام 2026، أُعلن عن اتفاقية بين وزارة المعادن السودانية وشركة التحالف العالمي للتعدين التابعة لشركة المصافي السعودية للذهب، لاستكشاف وتقييم وتطوير الذهب ومعادن أخرى في ولاية البحر الأحمر. ورغم أن هذا النوع من الاتفاقيات يرتبط أساسًا بالتعدين البري، فإن وجوده في ولاية ساحلية استراتيجية يستدعي تدقيقا قانونيا ومؤسسيا في نطاقه الجغرافي، وحدود تأثيره على الموارد والموانئ والمناطق البحرية القريبة، فضلًا عن ضرورة التمييز بين الاستثمارات المشروعة وبين أي ترتيبات قد تتداخل مستقبلًا مع مناطق غير محسومة الحدود أو خاضعة لنظام الانتفاع المشترك.
كما ينبغي إخضاع أي استثمارات سعودية جديدة في الموانئ أو المناطق الساحلية أو البنية التحتية البحرية السودانية لتدقيق مستقل، ليس رفضا للاستثمار الأجنبي، وإنما للتأكد من أن العقود والامتيازات لا تتضمن آجالا طويلة أو ترتيبات تشغيلية وأمنية قد تقيد القرار السيادي السوداني أو تؤثر بصورة غير مباشرة على موقفه في ملف الحدود والموارد البحرية.
والأخطر أن يتحول ضعف السودان وشهوة قادك الجيش للسلطة إلى فرصة لتمرير ترتيبات طويلة الأجل تُقدَّم باعتبارها استثمارات أو مشروعات إنقاذ اقتصادي، بينما تحمل في مضمونها آثارا على الموارد والموانئ والنفوذ البحري والقدرة التفاوضية للدولة السودانية. فالتوازن في العلاقات الاقتصادية لا يُقاس بحجم الأموال الداخلة فقط، بل بمدى تكافؤ القدرة على التفاوض والمراجعة والرقابة وحماية المصالح الوطنية.
ويكتسب التقارب السعودي مع المؤسسة العسكرية والسلطة المتحالفة معها أهمية إضافية، لأنه قد يمنح الرياض نفوذ تفاوضي أوسع في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصا في الملفات المتعلقة بالموانئ والموارد والاستثمارات الساحلية. ومن ثم فإن أي تفاهمات تُبرم في ظل غياب التوافق الوطني والمؤسسات الرقابية قد تتحول إلى التزامات تتجاوز الحكومة القائمة، وتمس حقوق الدولة السودانية لعقود قادمة.
من يعطل الحسم؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
لا يكفي تفسير عدم إنجاز الترسيم بالتعقيدات الفنية أو صعوبة تحديد الخطوط البحرية فبعد مرور أكثر من خمسين عاما يصبح من الضروري فتح مراجعة رسمية وقانونية شاملة لمسار الملف، والإجابة عن أسئلة واضحة: لماذا لم يتحول اتفاق 1974 إلى اتفاق نهائي؟ ما النقاط التي ظلت عالقة؟ هل جرت مفاوضات دورية وموثقة؟ هل توجد تفاهمات غير معلنة؟ وهل مُنحت امتيازات أو أُبرمت عقود في مناطق قد تتداخل مع المنطقة المشتركة أو مع مناطق بحرية لم تُحسم وضعيتها القانونية؟
إن غياب المعلومات الرسمية التفصيلية يترك المجال واسعًا للتكهنات، ويجعل السودان في موقع تفاوضي متأخر، خصوصا في ظل تراجع قدرته المؤسسية بسبب الحرب. كما أن عدم وضوح الجهة المسؤولة عن متابعة الملف داخل الدولة السودانية يثير تساؤلات حول ما إذا كان الموضوع يحظى أصلًا بالأولوية المطلوبة، أم أنه ظل رهينة الترتيبات السياسية والعلاقات الثنائية المغلقة.
ما الذي ينبغي على السودان فعله؟
ينبغي أن يتحول حسم الحدود والحقوق البحرية إلى أولوية وطنية مستقلة، لا إلى ملف تابع لأي شراكة اقتصادية أو تفاهم سياسي مع الرياض أو غيرها. فلا ينبغي الدخول في امتيازات طويلة الأجل أو ترتيبات استراتيجية مرتبطة بالموارد والموانئ قبل توضيح الوضع القانوني للمناطق البحرية، وتحديد الحقوق السيادية والاقتصادية لكل طرف بصورة لا تحتمل التأويل.
كما يتطلب الأمر مراجعة قانونية شاملة لاتفاق 1974 في ضوء التطورات التي طرأت على قانون البحار الدولي، والتأكد من طبيعة الالتزامات التي ما زالت نافذة، والحقوق التي يحميها الاتفاق، والجوانب التي تحتاج إلى تحديث أو إعادة تفاوض. ومن المهم إنشاء آلية وطنية مستقلة تضم خبراء في القانون الدولي والحدود والموارد البحرية والاقتصاد والطاقة، تتولى إعداد تقييم متكامل للملف بعيدا عن الحسابات السياسية الآنية.
ويجب كذلك إخضاع اتفاقات الموانئ والتعدين والموارد البحرية للرقابة البرلمانية والمؤسسية، ونشر تفاصيلها الأساسية للرأي العام، بما يضمن عدم تمرير تفاهمات مغلقة قد تقيد الدولة السودانية مستقبلًا أو تحول الاستثمارات إلى أدوات نفوذ سياسي وسيادي.
إن استمرار الغموض الحدودي بين السعودية والسودان ليس أمرا طبيعيا ولا مجرد تفصيل دبلوماسي مؤجل، بل قد يتحول مع مرور الوقت إلى آلية لتثبيت أمر واقع وإعادة توزيع للثروة والنفوذ. وفي ظل هشاشة السودان الحالية، تصبح مخاطر التفاوض غير المتكافئ أكبر من أي وقت مضى.
ولهذا فإن السودان مطالب بحسم حدوده وحقوقه البحرية قبل توسيع أي شراكات جديدة لاستغلال الموارد أو تطوير الموانئ والساحل. فالثروة البحرية ليست ملكا للحكومات المؤقتة وحدها، بل حق للأجيال السودانية القادمة، وأي تأخير إضافي في تثبيت هذه الحقوق قد يتحول من مجرد تأجيل سياسي إلى خسارة سيادية واقتصادية يصعب تداركها.




بالرغم من ان حسن النية لا مجال له فى العلاقات الدولية والتى تقوم على المصالح فقط لا غيرها ولكن لا تنتابنى كثيرا الشكوك والظنون فى التعامل مع المملكة العربية السودية وفى نفس الوقت لا ينبغى استسهال الامور وتركها على عواهنها فالمملكة العربية السعودية لديها من الموارد الطبيعية مالم تتمكن بعد من استثمارها وعلى قول المثل السودانى القاضى بان البحر لا يرفض زيادة فى كميه مياهه فيما يخص الهيئة المشتركة لاستغلال ثروات البحر الاحمر بين السودان والسعودية وقد عاصرنا اعلان قيامها سبعينات القرن الماضى ..فان المملكة لا تبدو على عجلة من أمرها انما السودان الذى يستعجل فورة البرمة لظروفه التى يمر بها او شهدها من قبل..ومعروف ان هناك من يرنو الى استثمار بعض موارد البحر الاحمر فلماذا لا نتحاور مع جهات ذات قدرة ورغبة فى المضى بالاستثمار الى نهايته لخدمة مصالح الطرفين.. يساورنى شك عميق حيال نوايا جارتنا الشمالية التى يدعى مثقفوها بان السودان ملكهم ويلعنون جمال عبد الناصر الذى منح السودان استقلاله وهنا بصراحة مكمن الخطرنضف لذلك التغلغل فى دواوين الحكومة السودانية ومفاصلها لدرجة ان السفير السودانى فى القاهرة لا يجرؤ على النطق بكلمة حيال اساءة معاملة السودانيين فى الاراضى المصرية برغم الاتفاقيات المبرمة بين البلدين.. كما ان الاطماع المصرية ليست خافية على كل الاصعدة بدءا بمياه النيل والموارد الطبيعية وليست بخافية نتائج ذلك فى الظروف التى يمر بها السودان حاليا فقد ازدادت معدلات انتاج المحاصيل فى مصر بفعل ما توفر لها من موارد مائية او احتياطيات الذهب فى البنك المركزى المصرى حيث يرد المختصون ذلك الى واردات الذهب السودانى عبر التهريب دون ان يقابل ذلك مقابلا ماديا لبنك السودان..لا نلقى اللوم على أحد الا على ساستنا الذين يعرضون خدماتهم لمن يدفع غير حريصين على مستقبل البلاد وموارده
السعودية تآمرت مع المصريين فى احتلال حلايب حيث وقعت معهم اتفاق ترسيم الحدود بينهما باعتبار حلايب جزء مصر. للأمانة البرهان ايضا تآمر مع المصريين
السعودية تآمرت مع المصريين فى احتلال حلايب حيث وقعت معهم اتفاق ترسيم الحدود بينهما باعتبار حلايب جزء مصر. للأمانة البرهان ايضا تآمر مع المصريين فى ذلك