مقالات وآراء

من تحت الرماد.. مطرقة العدالة تستأنف دك حصون التمكين

لم يكن تجميدها في صبيحة الخامس والعشرين من أكتوبر الأسود إلا محاولة يائسة لوأد الفجر، وستارة دخان أُسدلت لحماية هياكل الفساد التي نخرت في جسد الدولة السودانية لثلاثة عقود.
لكن التاريخ يعلمنا أن الحقائق المكتوبة بدماء الشهداء لا تُمحى بقرارات الانقلابات.
وها هي “لجنة تفكيك وإزالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو” تنفض غبار المعارك عن كاهلها، وتعود لتمسك بمبضع الجراح من جديد برئاسة الأستاذ محمد الفكي سليمان، في إعلان يشبه عودة الروح إلى جسد الثورة المنهك.
عادت اللجنة، ولم تعد خاوية الوفاض، بل أشهرت في وجه قوى الظلام ترسانة من المعلومات والقرارات الحاسمة.
فقد أسفرت عن امتلاكها خرائط دقيقة لأوردة التنظيم المحلول، وقوائم سوداء مُحكمة بأسماء قيادات الحركة الإسلامية في كل ولاية ومحلية، كاشفةً النقاب عن أخطبوط اقتصادي من الشركات والهيئات التي طالما امتصت رحيق هذا الشعب لتمويل آلتها القمعية.
ولم يقف سقف التحدي عند هذا الحد، بل امتد ليتوعد بملاحقة قضائية صارمة لا تعترف بالجغرافيا، تطال قيادات التنظيم داخل السودان وفي مهاجرهم التي ظنوا أنها آمنة، مع إعلان حرب موازية على الأبواق والمنابر الإعلامية التي تنفث سموم التضليل وتقتات على أوجاع الوطن.
قد يتساءل المراقب الحصيف: كيف لجهة مدنية أن تمارس عملها الرقابي والقانوني في ظل سماء تُمطر ناراً، وأرضٍ تمزقها حرب عبثية طاحنة؟
الإجابة تكمن في المفارقة التاريخية العميقة؛ فالانقلاب الذي سدد طعنته الغادرة في ظهر اللجنة، قد تصدع بنيانه وتهاوى، واختلف ركناه، فابتلعت نيران صراعهما الأخضر واليابس.
هذا التصدع في جدار معسكر الخامس والعشرين من أكتوبر، وانهيار التحالف التكتيكي الذي جمد التفكيك، خلق فراغاً مؤسسياً وأخلاقياً لا يمكن أن يملأه سوى صوت العدالة الذي تمثله اللجنة.
فالحرب الدائرة اليوم، في جوهرها، هي الصرخة الأخيرة لنظام يحترق، ومحاولة دموية للعودة إلى كراسي السلطة على جماجم الأبرياء.
لكن الحدث الأهم، والتحول الاستراتيجي الأبرز الذي يجعل من توقيت عودة اللجنة ضربة قاصمة، هو تصنيف الخارجية الأمريكية للحركة الإسلامية كتنظيم “إرهابي أجنبي”.
هذا القرار ليس مجرد حبر على ورق، بل هو “شفرة المرور” التي تحول عمل اللجنة من مجرد استحقاق ثوري محلي، إلى التزام أمني وقانوني دولي.
فالجهة المعنية بتفكيك بنية هذا التنظيم (لجنة إزالة التمكين) لم تعد تغرد وحدها، بل باتت المدخل الطبيعي والقانوني الذي يحتاجه العالم للتعامل مع هذه البؤرة المارقة.
في ظل هذا المعطى الجديد، تتضح الرؤية الثاقبة للجنة في ترحيبها بالتعاون مع الأسرة الإقليمية والدولية.
فالمجتمع الدولي اليوم، الملزم بملاحقة أصول وأموال وقيادات تنظيم إرهابي مصنف، سيجد في “لجنة التفكيك” الشريك الاستراتيجي والبنك المعلوماتي الموثوق.
لن تواجه اللجنة بعد اليوم تلك المتاريس الدبلوماسية أو الملاذات الآمنة للأموال المهربة، فالتصنيف الأمريكي يجعل من التعاون مع اللجنة في تتبع حسابات الشركات ومطاردة القيادات الهاربة فرضَ عينٍ على كل العواصم التي ترغب في تجفيف منابع الإرهاب وإطفاء حريق السودان.
إن استئناف عمل لجنة التفكيك في هذا المنعطف الدامي، هو رسالة بليغة تفيد بأن الحرب لن تُلغي الحساب، وأن صوت المدافع لن يعلو فوق صوت العدالة.
هي خطوة تضع النقاط على الحروف، وتؤكد أن إنهاء الحرب المستعرة يبدأ حتماً بقطع الشرايين المالية والتنظيمية التي تغذيها، وأن الثورة السودانية تمرض وتنزف، لكن أوراقها ومقصلتها القانونية لا تسقط أبداً.

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..