بذور الخراب: جينالوجيا المليشيا وعقيدة “الدولة البديلة”

بقلم: السماني شكرالله
لم تكن الحرب التي تطحن عظام السودان اليوم زلزالاً مباغتاً انشقت عنه الأرض فجأة، بل كانت “خطيئة معمارية” ارتُكبت بدم بارد في أقبية التخطيط الأيديولوجي للحركة الإسلامية السودانية. إن المتأمل في تضاريس الوجع السوداني يدرك أن المأساة لا تكمن فقط في فوهات البنادق، بل في “العقلية الخالقّة” للمليشيات؛ تلك العقلية التي تزرع الأشواك في جسد الدولة، ثم تطل علينا اليوم بمسوح الأنبياء وقمصان الفداء، مدعيةً الجهاد في محاربة ما صنعت يداها.
لقد قامت فلسفة “التمكين” على ركيزة إحلال “الولاء” محل “المهنية”، واستبدال جيش الوطن بـ “جيوش السلطان”. ولم يكن “الدعم السريع” يوماً حادثاً عرضياً أو ضرورة أمنية أملتها ظروف الميدان، كما روجت أبواق التضليل، بل كان مشروعاً سياسياً واستراتيجياً نبت في دفيئات “الدولة العميقة”. أُريد له أن يكون “جيشاً موازياً” يحمي عروشهم من تقلبات الأقدار، لا وطناً يحمي حدوده من عاديات الزمن. هم من هندسوا هيكله، وهم من صبوا في عروقه المال الحرام، وهم من خلعوا عليه رداء الشرعية الزائف، وفتحوا له بوابات العاصمة على مصراعيها، في مقامرة تاريخية لم يحسبوا عواقبها.
إن المفارقة الصارخة التي تدمي القلوب تتجلى اليوم في ممانعة قادة الحركة الإسلامية وحلفائهم لأي بارقة سلام أو هدنة إنسانية. فبأي منطق أيديولوجي يُرفض حقن الدماء؟ وبأي “وطنية” يُنظر إلى السلام كخسارة سياسية؟ الحقيقة المرة التي تتجنبها الأعين هي أن هذه الحرب لم تندلع بسبب “خلاف تقني” بين رفاق السلاح، بل اشتعلت هرباً من استحقاقات الحكم المدني، وخوفاً من رياح المحاسبة، ورعباً من مواجهة الأسئلة الكبرى. إنهم يدركون أن صمت المدافع يعني بالضرورة ضجيج العدالة، وبداية الأسئلة التي ستعرّي مَن صنع البيئة التي جعلت إطلاق الرصاص هو اللغة الوحيدة الممكنة.
إن المسؤولية التاريخية لا تبدأ من لحظة الضغط على الزناد، بل من لحظة اتخاذ القرار الذي جعل الرصاص حتمياً. إن “سياسة تفخيخ الدولة” عبر تعدد الجيوش ومراكز القوى لم تكن سوى تطبيق حرفي لمنطق العصابات في إدارة الأوطان. فالدول لا تنهار بفعل الغزو الخارجي بقدر ما تنهار حين تتحول القوة المسلحة من مؤسسة وطنية جامعة إلى “أدوات نفوذ” تتصارع داخل الجسد الواحد.
واليوم، يحاول الذين صاغوا هذا الواقع الأليم إعادة كتابة التاريخ، متقمصين دور “حماة الدولة”، بينما تشهد الوقائع أن سياساتهم هي التي مزقت نسيجها. إن الطريق إلى الخلاص لا يمر عبر خنادق المليشيات، ولا عبر انتصارات عسكرية موهومة لطرف على آخر، بل يمر عبر اعتراف شجاع بأن “منطق المليشيا” هو العدو الأول للدولة.
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى “منقذين” من طينة من صنعوا الكارثة، بل يحتاج إلى قطيعة معرفية وسياسية مع الحقبة التي رأت في السلاح وسيلة للحكم وفي الولاء بديلاً للقانون. فالتاريخ لا يرحم مَن أشعلوا الحرائق ليدفئوا كراسي سلطتهم، والنار التي أُضرمت من أجل “التمكين” لن تتحول يوماً إلى فيءٍ يستظل به وطن.
السماني شكرالله



