حين يصبح الحزم واجبًا وطنيًا: لا تهاون مع جماعة الإسلام السياسي

حسن عبد الرضي الشيخ
لم يعد الصراع مع جماعات الإسلام السياسي في السودان مجرد خلافٍ سياسي عابر، ولا تباينٍ في الرؤى حول إدارة الدولة، بل أصبح صراعًا وجوديًا بين مشروع دولةٍ مدنيةٍ حديثة، ومشروعٍ ظلاميٍ أثبتت التجربة أنه لا يجلب سوى الخراب والدمار والتفكك الاجتماعي.
لقد دفع الشعب السوداني أثمانًا باهظة نتيجة سيطرة هذه الجماعات على مفاصل الدولة لعقود، حيث تم تسييس الدين، وتخريب مؤسسات الدولة، ونهب الموارد، وإشعال الحروب، وتدمير النسيج الاجتماعي. ولم يكن ذلك صدفة، بل نتيجة مباشرة لفكرٍ يقوم على الإقصاء والاستعلاء واحتكار الحقيقة.
من هنا، فإن دعم القرارات الدولية والإقليمية التي تضع هذه الجماعات في وضعها الطبيعي، لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية. فهذه القرارات تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تفكيك بنية التطرف، وتجفيف منابعه، ومنع إعادة إنتاجه في أشكال جديدة.
إن دمغ جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية ليس موقفًا عدائيًا بقدر ما هو توصيفٌ واقعيٌّ لتاريخٍ طويلٍ من استغلال الدين في السياسة، وتغذية العنف، والتآمر على استقرار الدول. والتعامل مع هذه الحقيقة بشجاعة هو أول الطريق نحو بناء مستقبل آمن.
لكن القرارات وحدها لا تكفي، ما لم تسندها إرادة شعبية واعية. وهنا يأتي دور المجتمع السوداني بكل مكوناته: يجب أن تتحول المقاطعة إلى سلوك يومي واعٍ—مقاطعة اجتماعية ترفض منح هذه الجماعات شرعية الحضور في مناسباتنا، ومقاطعة اقتصادية تحرمها من الموارد التي تستمد منها قوتها ونفوذها.
فلا يُعقل أن نشتكي من آثار هذا الفكر، ثم نُبقي له أبوابنا مفتوحة في بيوتنا وأسواقنا ومناسباتنا. ولا يُعقل أن نلعن نتائجه، ثم نتساهل مع أدواته ورموزه.
إن عزل هذه الجماعات اجتماعيًا ليس قسوة، بل حماية للمجتمع. وليس إقصاءً تعسفيًا، بل دفاعٌ مشروع عن قيم التعايش والسلام. فالمجتمعات التي تتسامح مع من يهدد وجودها، إنما تمهّد الطريق لانهيارها.
وأي تراخٍ في هذا الموقف، أو محاولة لتجميل صورة هذه الجماعات، أو التعايش معها تحت أي مبرر، لا يمكن تفسيره إلا كنوعٍ من التماهي مع فكرها، أو تواطؤٍ غير مباشر مع مشروعها. والتاريخ لا يرحم المترددين، ولا يغفر للذين يقفون في المنطقة الرمادية حين تكون القضايا مصيرية.
إن السودان اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء نفسه على أسس جديدة: الحرية، والعدالة، والمساواة. وقبل ذلك وبعده: السلام. ولن يتحقق ذلك إلا بقطع الطريق أمام كل من يسعى لإعادة إنتاج الماضي تحت شعارات دينية زائفة.
المعركة اليوم ليست بالسلاح فقط، بل بالوعي والموقف. والموقف الواضح: لا مكان لجماعات الإسلام السياسي في مستقبل السودان.



