
ليس السودان وطنًا فقيرًا… بل دولةً لم يُسمح لها أن تولد.
وليس شعبه عاجزًا… بل أُبقي عمدًا رهينة لنخبٍ لا ترى في الحكم إلا غنيمة، ولا في الدولة إلا عائقًا أمام مصالحها.
الدولة ليست علمًا يُرفع، ولا نشيدًا يُردد، ولا حدودًا تُرسم على الخرائط.
الدولة هي عقدٌ صارم، ودستورٌ نافذ، ومؤسساتٌ لا تنحني لأحد.
هي سيادة القانون، لا سيادة الحاكم.
هي حكم القواعد، لا نزوات الأفراد.
الدولة هي أن يخضع الحاكم للمحاسبة قبل المحكوم،
وأن يكون البرلمان سلطةً حقيقية لا ديكورًا سياسيًا،
وأن يكون الدستور مرجعيةً لا ورقةً تُلقى عند أول انقلاب.
لكن، منذ الاستقلال في يناير 1956، لم تُبنَ هذه الدولة في السودان—لأن هناك من قرر ألا تُبنى.
حين قامت الجمعية التأسيسية، كان ذلك إعلانًا واضحًا بأن السودانيين بصدد تأسيس دولتهم.
لكن ما حدث لم يكن تأسيسًا… بل كان وأدًا مبكرًا لمشروع الدولة.
الأحزاب التي ادّعت الوطنية انشغلت بتقاسم السلطة لا ببناء الوطن،
تنافست على إسقاط بعضها البعض، لا على ترسيخ مؤسسات الحكم.
تحالفات تُصنع في الليل وتنهار في الصباح،
ولاءات تُشترى، ومواقف تُباع،
وسياسة بلا أخلاق ولا رؤية.
وحين عجزوا عن إدارة خلافاتهم داخل البرلمان، فتحوا الباب واسعًا أمام العسكر.
فجاءت الانقلابات، لا كاستثناء، بل كقاعدة.
في 17 نوفمبر، سُلِّمت السلطة طوعًا للجيش في لحظة سقوط أخلاقي مدوٍ.
وفي 25 مايو، استولى العسكر على الحكم مرة أخرى. بمساندة من قوي اليسار
وفي 30 يونيو، اكتملت المأساة بانقلاب جديد أعاد البلاد إلى عصور القمع والظلام.
سقط حكم إبراهيم عبود تحت ثورة الشارع في أكتوبر 1964
وسقط جعفر نميري بثورة شعبية،
وسقط عمر البشير بعد ثلاثة عقود من الاستبداد بأمر الثوار وبالفعل الثوري التراكمي .
لكن الدولة… لم تقم، لأن من يحكمون لا يريدونها أن تقوم.
كل انقلاب كان يُسوَّق كـ”تصحيح مسار”،
وكل طاغية كان يبدأ بوعود الإصلاح،
ثم ينتهي بدستور مُفصَّل على مقاس بقائه، وقوانين قمعية تُحكم الخناق على الشعب.
وحين يسقط النظام، تُحرق دساتيره، وتُلعن قوانينه،
ويبدأ السودان من الصفر… مرة أخرى… وكأن التاريخ يعيد نفسه بعنادٍ قاتل.
ثم جاءت لحظة كادت تكسر هذه الحلقة الجهنمية.
مع حكومة عبد الله حمدوك، ظهر لأول مرة مشروع حقيقي—ولو جزئي—لبناء دولة مدنية حديثة.
محاولة جادة لإخضاع السلطة للقانون،
ولفصل الدولة عن هيمنة التنظيمات،
ولإعادة الاعتبار للمؤسسات.
لكن هذه المحاولة لم تُهزم لأنها فشلت…
بل لأنها كانت تهدد مصالح راسخة، وشبكات نفوذ عميقة، تعيش على غياب الدولة.
فتحركت قوى الثورة المضادة بكل ما تملك من دهاء وخبرة.
وفي مقدمتها الحركة الإسلامية السودانية، التي لم تغادر المشهد يومًا، بل أعادت تموضعها في الظل.
تم تفعيل كتائب الظل التابعة للمؤتمر الوطني ،
واستهدفت الخدمات العامة
وتخريب الاقتصاد،
وتأليب الشارع،
وبث الفوضى المنظمة،
وخلق أزمات مصطنعة تُستخدم كذريعة لإسقاط التجربة.
لم يكن الهدف إسقاط حكومة حمدوك…
بل كان الهدف الحقيقي هو إسقاط فكرة الدولة نفسها.
لأن قيام دولة حقيقية يعني نهاية الامتيازات الطفيلية،
ونهاية استغلال الدين في السياسة،
ونهاية سيطرة شبكات الفساد التي نمت في أحشاء الدولة العميقة لعقود.
فسقطت التجربة، لا بضعفها، بل بقوة أعدائها.
وعاد السودان إلى نقطة الصفر—أو ربما إلى ما هو أسوأ.
اليوم، لا يمكن التظاهر بالدهشة.
ولا يمكن الاستمرار في ترديد الشعارات الفارغة.
الحقيقة الصادمة هي أن الصراع في السودان لم يكن يومًا صراعًا على من يحكم،
بل صراعًا على ما إذا كانت هناك دولة أصلًا.
بين من يريد دولة تحكمها القوانين،
ومن يريد سلطة يحكم بها الناس.
بين مشروع وطن…
ومشروع غنيمة.
ولهذا، فإن أي حديث عن “تسويات سياسية” لا يضع مسألة بناء الدولة في قلبه،
هو مجرد إعادة تدوير للأزمة، لا حلّ لها.
وأي حكومة تأتي دون دستور دائم، ومؤسسات مستقلة، ومحاسبة حقيقية،
هي مجرد فصل جديد في مسرحية الانهيار.
السودان لا يحتاج إلى حاكم جديد…
بل يحتاج إلى قواعد تمنع أي حاكم من أن يتحول إلى طاغية.
الدولة قبل الحكومة.
والحكومة خادمة للدولة، لا وريثًا لها ولا مالكًا لها.
هذه ليست رفاهية فكرية…
بل شرط بقاء.
فإما أن تُبنى الدولة الآن—بإرادة واعية لا تُخدع بالشعارات—
أو سيظل السودان وطنًا مؤجلًا،
تُسرق ثرواته،
وتُهدر طاقاته،
ويُعاد اغتياله… مرة بعد مرة… على يد أبنائه قبل أعدائه.



