مقالات وآراء

هيمنة المؤسسة العسكرية على الانتقالات السياسية في السودان (1964–1985–2019): من انتقال مدني خالص إلى سيطرة وانقلاب على المسار الانتقالي

د. عبد المنعم مختار

أستاذ جامعي

يمكن قراءة تجربة تدخل الجيش في السودان عبر ثلاث لحظات مفصلية: ثورة أكتوبر 1964، وانتفاضة أبريل 1985، وثورة ديسمبر 2018–2019 التي بلغت ذروتها في قرار القوات المسلحة في 11 أبريل 2019. تُروى كل لحظة في الذاكرة السياسية السودانية بوصفها نموذجًا معياريًا سياسيًا، غير أن تحليلها في إطار مقارن يكشف تحولات جوهرية في موقع الجيش ووظيفته؛ إذ انتقل من كونه طرفًا أُقصي بالكامل من السلطة، إلى فاعل يهيمن على إدارة الانتقال، ثم إلى قوة مسيطرة شبه مطلقة أعادت إنتاج السلطة وانقلبت على مسارها.

في ثورة أكتوبر 1964، كان الجيش في موقع السلطة التي أُسقطت عبر حراك مدني سلمي واسع، استند إلى الإضراب العام والاعتصامات، وفرض ضغطًا مباشرًا على القيادة العسكرية بقيادة إبراهيم عبود، ما أدى إلى استقالته وتسليم السلطة إلى حكومة مدنية انتقالية. وتمثل هذه اللحظة الحالة الوحيدة في التاريخ السوداني الحديث التي جرى فيها انتقال السلطة إلى المدنيين دون مشاركة مؤسسية للجيش في إدارة المرحلة الانتقالية، وهو ما منحها طابعًا فريدًا في مسار التحولات السياسية، رغم هشاشة التجربة وقصر عمرها، كما دلّ عليه انقلاب مايو 1969.

أما في انتفاضة أبريل 1985، فقد ظهر الجيش في موقع مختلف جذريًا. فمع تصاعد الاحتجاجات واتساع نطاق الإضرابات ضد نظام جعفر نميري، تدخلت القيادة العامة للقوات المسلحة بقيادة المشير عبد الرحمن سوار الذهب، وأعلنت عزل النظام وتشكيل مجلس عسكري انتقالي تولى إدارة الدولة. وعلى الرغم من تعهده بتسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة خلال فترة زمنية محددة، فإن المجلس العسكري احتفظ بالسيطرة الفعلية على مسار الانتقال، وأدار مراحله الأساسية، بما في ذلك تهيئة البيئة السياسية التي جرت فيها انتخابات 1986. وتشير القراءة النقدية إلى أن هذا التدخل لم يكن حياديًا، بل أسهم في إعادة إنتاج توازنات تقليدية داخل النظام السياسي، ومنح أفضلية نسبية لقوى سياسية بعينها، الأمر الذي انعكس على نتائج الانتخابات وحدود التغيير الذي أفرزته.

ضمن هذا السياق، ترسّخ 6 أبريل 1985 في الذاكرة السياسية بوصفه نموذجًا لـ“انحياز الجيش”، غير أن هذا الانحياز لم يؤدِّ إلى خروج المؤسسة العسكرية من المجال السياسي، بل إلى إعادة تموضعها في مركز إدارة الانتقال، بما مكّنها من التأثير في مخرجاته وحدوده. وقد شكّل هذا التصور أحد أهم مصادر الإلهام لثورة ديسمبر 2018–2019، حين اتجه المحتجون إلى محيط القيادة العامة للقوات المسلحة في 6 أبريل 2019، واعتصموا مطالبين الجيش بتكرار سيناريو 1985 والانحياز إليهم عبر إنهاء حكم عمر البشير.

غير أن تدخل الجيش في 11 أبريل 2019 مثّل تطورًا أكثر عمقًا في طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية. فقد تولى المجلس العسكري الانتقالي السلطة مباشرة، ودخل في ترتيبات شراكة مع قوى مدنية عبر الوثيقة الدستورية لعام 2019، إلا أن هذه الشراكة اتسمت باختلال واضح في ميزان القوة. إذ احتفظت المؤسسة العسكرية بنفوذ واسع في مجالات الأمن والسياسة، ومارست دورًا مهيمنًا على مسار الانتقال، بما أضعف قدرة القوى المدنية على توجيه العملية السياسية بصورة مستقلة.

وفي هذا الإطار، يمكن توصيف تجربة 2019 بأنها انتقال خضع لهيمنة شبه كاملة من قبل المؤسسة العسكرية، التي لم تكتفِ بإدارة المرحلة الانتقالية، بل أعادت تشكيلها وفق مصالحها، قبل أن تُقدم على إنهائها فعليًا عبر انقلاب 25 أكتوبر 2021. ويعكس هذا المسار نمطًا من التدخل يمكن فهمه بوصفه امتدادًا لفكرة “انقلاب الفيتو”، حيث لا يُعلن الجيش قطيعة صريحة مع الثورة، بل يعمل على احتوائها تدريجيًا، ثم إفراغها من مضمونها، وصولًا إلى إعادة السيطرة الكاملة على السلطة.

وبناءً على هذا التحليل المقارن، يتضح أن الفارق الجوهري بين المحطات الثلاث يتمثل في طبيعة موقع الجيش في كل منها: ففي أكتوبر 1964، جرى تسليم السلطة إلى حكومة مدنية دون مشاركة الجيش في إدارة الانتقال، وهو ما يمثل الحالة الوحيدة لانتقال مدني خالص. وفي أبريل 1985، سيطر المجلس العسكري على مسار الانتقال، وأدار مراحله الأساسية، وأسهم بدرجة معتبرة في تشكيل نتائجه السياسية، رغم تسليم السلطة لاحقًا إلى حكومة منتخبة. أما في أبريل 2019، فقد بلغ تدخل الجيش ذروته، إذ هيمن بصورة شبه كاملة على العملية الانتقالية، ثم انقلب عليها، منهياً بذلك مسار الشراكة المدنية–العسكرية ومكرسًا عودة السيطرة العسكرية المباشرة.

إن استحضار تجربة 6 أبريل 1985 بوصفها نموذجًا مُلهمًا دون قراءة نقدية لنتائجها، يُفضي إلى استنتاجات مضللة بشأن طبيعة دور الجيش في التحولات السياسية. فالتجارب الثلاث تُظهر بوضوح أن تدخل المؤسسة العسكرية لا يقود بالضرورة إلى ترسيخ حكم مدني ديمقراطي، بل قد يُفضي إلى إعادة إنتاج الهيمنة العسكرية بأشكال مختلفة. وعليه، فإن نجاح أي تحول ديمقراطي مستقبلي يظل مرهونًا بقدرة القوى المدنية على بناء مؤسسات قوية، قادرة على ضبط العلاقة مع المؤسسة العسكرية، ومنع تحول تدخلها من أداة انتقال إلى آلية دائمة لإعادة إنتاج السلطة.

‫2 تعليقات

  1. ينسى أو يتناسى معظم المؤرخون السودانيون أن الجيش السوداني قد تم تأسيسه بإسم قوات دفاع السودان في العام 1952م وهو تاريخ سابق لإستقلال البلاد (1954م) ، وكان الغرض من تأسيسه هو توطيد حكم المستعمر وقمع الإحتجاجات . ومنذ ذلك التاريخ لم تتغير طبيعة هذا الجيش الباطش المجرم الذي ظل منذ ما قبل تاريخ إستقلال البلاد يشكل تهديدا لوجود البلاد عن طريق السيطرة على مفاصل إقتصاد البلاد بعد أن تحول إلى أداة قمع للداخل للحفاظ على المكاسب الإقتصادية الداخلية بدلا من مجابهة أعداء البلاد الخارجيين بعد ان تحول كبار قادته الى قطط سمان كل همهم هو حكم البلاد ، وقمع الشعب ، وبناء الكروش والقصور ، والقضاء على كل التوجهات الرامية للتقدم الحضاري والعلمي والفني . ولهذا السبب كان الجيش منذ تأسيسه عدو للجامعات ومراكز العلم والمعرفة والتفاكر الإحتماعي . وبهذا المعنى ، فسيطرة هذا الجيش الغاشم لم تبدأ منذ العام 1958م تحت حكم المجرم المأفون ابراهيم عبود وطغمته (كما ذكر كاتب المقال الذي أكن له كل الإحترام) ، وإنما بدأت تلك السيطرة من قبل تأسيسه في العام 1952م . وبهذا المعنى فهو قد ولد منذ تأسيسه “لقيط ابن حرام” ، ولذلك لم تنجح كل الجراحات التجميلية التي ستجرى على هذا الجسد المهترىء المتعفن ، ويكمن الحل العملي الوحيد في استئصاله ومحوه بالكامل من جسد البلاد وكذلك محو إبنه الشرعي “الدعم السريع” وكل الفصائل التي تقاتل في صف الجانبين . وقد يبدو تحقيق هذا الحلم مستحيلا بالنظر إلى المشهد الحالي ، وبنفس المعنى : قد يكون علاج مرض السرطان مستحيلا (مثلا) ، ولكن هذه الإستحالة لا تنفي وجود مرض السرطان . فالتشخيص السليم للمرض سيقود في النهاية للتعامل السليم مع أعراضه . وبهذا المعنى أيضا فإن الجيوش ، كل الجيوش ، هي بطبيعتها عبارة عن حيات رقطاء إن وجهتها للخارج عضت الأعداء وإن وجهتها للداخل عضتك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..