إنه أبوالسيد

طارق يسن الطاهر
ما كنت يوما” واقف براك” حين “الهم عصف”، كل محبيك كانوا معك، في انتظار عودة “عمنا الحاج ودعجبنا”، وقد حمل معه العشاء للضيف.
وحين ركبت مع “عم عبد الرحيم ” مردوفا على حماره، و”لكدته” معه، ومررت على أصدقائه ” زملان الشقا” في “المشرع”، كانت كل “حاجة فيك” تعجب المتلقي، وتبهج المستمع.
كنت تختار من الكلمات ما يستعصي على اللحن، وتصطفي من القصائد ما يتأبّى على الترنم- ولا عجب فأنت “مصطفى”- فتلحن هذا، وتترنم بتلك، ولسان حالك يقول لنا: ” اخترت ليك أجمل حروف وأصدق فواصل نادرة في لغة الكلام”
هبني ملحنا أو مغنيا يستطيع ترويض:ها هي الأرض ﺗﻐﻄﺖ ﺑﺎﻟﺘﻌﺐﻭﺍﻟﺒﺤﺎﺭ ﺍﺗﺨﺬﺕ ﺷﻜﻞ ﺍﻟﻔﺮﺍﻍﻭﺃﻧﺎ ﻣﻘﻴﺎﺱ ﺭﺳﻢ ﻟﻠﺘﻮﺍﺻﻞ ﻭﺍﻟﺮﺣﻴﻞﺃﻧﺎ ﺍﻵﻥ ﺍﻟﺘﺮﻗﺐ ﻭﺍﻧﺘﻈﺎﺭ ﺍﻟﻤﺴﺘﺤﻴﻞ!
لا أحد غيرك.
علّمتنا كيف يكون “الحزن نبيلا” وكيف تجعل “نورة” تنتظر “جَيْتك” في ظل “غيمة تملا ماعونك خريف”، “وتروي جواك العطاشى”
شعراء كثر، وكبار جدا، تمكنت أنت -بقدرتك الفائقة على انتقاء النصوص وأدائها- من إبرازهم، وجعْلهم معروفين للجميع، حتى العامة صاروا يترنمون بكلماتهم التي شدوت بها.
وأنت عارفنا منك “لا الزمن بقدر يحول قلوبنا عنك، لا المسافة ولا الخيال يشغلنا منك”، كان الله بك رحيما؛ إذ أخذ أمانته قبل أن ترى ما حل بنا، وما حاق بأهلك الغبش الذين تغنيت لهم وغنيت لهم، مصيبة كبرى يا مصطفى، ” من الأقلام أبت تطلع من الأبرول أبت تطلع” لكن” خوازيق البلد زادت” وزادت، وزادت…
فأصبحت البلاد شيبها وشبابها مهاجرين مع الطيور “الما بتعرف ليها خرطة ولا في أيدها جواز سفر”
ظلت “في عيونك ضجة الشوق والهواجس” كما فاحت منك” ريحة الموج البنحلم فوقه بي جية النوارس” وما زلنا نحلم وننتظر “جية النوارس” في كل وقت، وفي” الصباح الباهي لونك” ونبحث عنها في “غابة الأبنوس” ، فـ”الصباح الباهي لونك” صارت أصبوحة يومية يصبّح بها الحبيب على حبيبه.
ونحن معاك يا مصطفى” مشينا الخطوة الأولى، ومهما طال مشورانا، لكنه” معاك بيقصر” وظللنا ننادى فاطمة بأن “الأفراح لابد من ترجع” وانتظرناك وجيت “أصلي لما أدور أجيك بجيك، لا بتعجزني المسافة لا بيقيف بيناتنا عارض”
جيتنا يا مصطفى عشان تعدل المايل وتقوّم المعوج و” وتشيل كتف الغنا الميّل”
عانيتَ كثيرا، وناضلت مليًّا عشان” عيون أطفالنا ما تضوق الهزيمة” وللأسف “ضاقتها”، ومنتظرين عودة “البت الحديقة، ” وكنت تبشرنا بأنه “حتجي البت الحديقة” وستكون “شايلة أنسام في طريقا وشاتلا ألوان” ، وقلّت حيلتك وضعفت قواك، وكلّ متنك، وهدّك المرض: وأنت” في قساوة الموحش الزمن المكهرب بالحريق” وتتساءل: ” أنا حيلتي إيه؟”
وكنا نتساءل معك ” كيف تبدو الذكريات؟ وكيف يبدو طعم أيام الشجن”؟ فأنت” ضلنا المرسوم على رمل المسافة الشاكي من طول الطريق” لكنك لم تعلّمنا ماذا نفعل إن “رجع فاضي الكلام مليان” وكيف نستر الغيمة إن “تبرجت” ولم تترك لنا خليفة لك بعد أن فارقتنا؛ لأن “إذاعات الشجر” منتظرة صوتا يشبه حلقك، كما نسيت أن تعلمنا ” مطر الحبش لو كان نبش جواك سقف” ماذا نفعل؟!
فلا زالت أحوال معظم الأسر في ” حجة صباح، في حق الملاح، في اللبس الجديد في القسط القديم…”
لو تنزّلتِ الإنسانية في جسد إنسان، فلن تجد شخصا أنسب لها من مصطفى سيد أحمد، رغم معاناتك مع المرض والغربة كنت راقيا أنيقا مبتسما هادئا وقورا، كنت تبحث بين القصائد ما يليق بك، وما يشبه أذن متلقيك التي لا تستسيغ كل صوت، تلبي جميع الدعوات ولا تميز بين غني أو فقي، لأنك تؤمن أن كل هؤلاء مؤمنين بقضيتك التي تنافح عنها.
أذكر -وأنت مريض في القاهرة- كنت تقيم الحفلات للطلاب بأسعار رمزية، لا تغطي حتى أبسط منصرفات تلك الليلة، لكنك كنت تدرك أننا – الطلاب- مطحونين بين “مرحاكة” الدراسة وأننا نحب أن نستمع إليك، ولا نملك قيمة تذكرة عالية، فحينما تشدو لنا نجد أنفسنا محلقين بعيدا بعيدا مع صوتك العذب، ولحنك البهي، وكلماتك الرنانة، فيطرق كل ذلك قلوبنا، ويشنف آذاننا، ويجعلنا في عالم آخر.
رغم كل تلك العقود التي مرت من يوم رحيلك، لا أحد يستطيع أن ينساك ” ﺃﻗﻮﻝ ﺑﺲ ﻧﺴﻴﺘﻚ ﻭﺟﺮﺣﻚ ﻳﺘﺎﻭِﺭ” لأنه “قدر هواك يجيبنا ليك وجمّع قلوبنا وولّفها”



