السودان في مهب العام الرابع جردة حساب الخراب ومعضلة “السيادة المنسية”

محمد صالح محمد
مع بزوغ فجر العام الرابع من الصراع المسلح في السودان لم تعد الأسئلة التقليدية حول “من أطلق الطلقة الأولى” أو “من بدأ بالتصعيد” تجدي نفعاً أمام هول الكارثة الإنسانية والجيوسياسية. اليوم ونحن نقف على أعتاب مرحلة زمنية فارقة يجد العقل السياسي السوداني نفسه مجبراً على مواجهة الحقيقة العارية دون مساحيق تجميلية: ماذا جنينا من استمرارية الحرب؟ الإجابة للأسف تكمن في معادلة صفرية حطمت الدولة والمجتمع ولم تترك للمنتصر المفترض سوى ركاماً ليحكمه.
تآكل الدولة واختلال الجيوبوليتيك
بعد ثلاث سنوات عجاف تلاشت ملامح الدولة المركزية التي تشكلت عبر عقود. استمرارية الحرب لم تكن مجرد صراع على السلطة بل تحولت إلى أداة لـ “تذرير” القوة العسكرية وتعدد مراكز القرار مما أدى إلى:
خسارة السيادة الوطنية: أصبح القرار السوداني مرتهناً بشكل كلي لمحاور إقليمية ودولية. تحولت الخارطة السودانية إلى ساحة لتصفية الحسابات بالوكالة حيث تُقايض المواقف السياسية بالدعم العسكري واللوجستي.
تفتيت النسيج الاجتماعي: الحصاد الأكبر كان “الاستقطاب الإثني” حيث تم استدعاء القبيلة والجهوية كوقود للحرب. هذا الشحن الجهوي حوّل النزاع من صراع بين جنرالات إلى صراع وجودي بين مكونات المجتمع مما يهدد وحدة البلاد الجغرافية في المدى المنظور.
الاقتصاد الساقط في “الثقب الأسود”
اقتصادياً تجاوز السودان مرحلة “الركود” ليدخل في مرحلة “الانهيار الهيكلي”. إن استمرار الحرب لعام رابع يعني ببساطة:
تدمير القاعدة الإنتاجية: تآكلت المنشآت الصناعية في الخرطوم وتوقف مشروع الجزيرة والمشاريع المطرية مما ضرب عصب الأمن الغذائي.
نزيف العقول (Brain Drain): فقد السودان كتلته البشرية الحرجة؛ الأطباء، المهندسون، والأكاديميون الذين هاجروا قسرياً و يمثلون خسارة لا يمكن تعويضها بمليارات الدولارات في المستقبل.
المجاعة كأداة حرب: الحصاد المر يتمثل في تحول “سلة غذاء العالم” المأمولة إلى بؤرة لأكبر أزمة نزوح وجوع في الكوكب حيث تلاشت الطبقة الوسطى تماماً وانزلق الملايين نحو حافة العدم.
منطق “الاستنزاف” وفشل الرهان العسكري
التحليل العميق لطبيعة هذا الصراع يثبت أن الرهان على “الحسم العسكري المطلق” كان رهاناً خاسراً ومكلفاً. ففي الحروب الأهلية ذات الطابع المديني (Urban Warfare) لا يوجد منتصر بمفهوم العلوم السياسية التقليدية.
إن كل يوم إضافي في عمر هذه الحرب هو خصم مباشر من رصيد الدولة السودانية ككيان قانوني وسياسي موحد وهو إضافة في رصيد الفوضى العابرة للحدود.
ماذا جنينا؟ (جردة حساب)
إذا أردنا تلخيص حصاد السنوات الثلاث والدخول في الرابعة بصدق سنجد أننا جنينا:
دولة فاشلة (Failed State): بالمعايير الدولية حيث فقدت الحكومة الاحتكار الشرعي لأدوات العنف وفشلت في توفير أدنى الخدمات.
جيلاً ضائعاً: ملايين الأطفال خارج مقاعد الدراسة لسنوات ينمون في بيئة يسودها خطاب الكراهية وصوت الرصاص مما يؤسس لدورة عنف مستقبلية.
فراغاً سياسياً مخيفاً: حيث غابت القوى المدنية والسياسية عن التأثير الفعلي واحتلت البندقية مكان الحوار مما جعل الحديث عن “التحول الديمقراطي” يبدو كأنه صدى لزمن سحيق.
الخروج من نفق العدم
إن دخول الحرب عامها الرابع يجب أن يمثل “لحظة صحوة” للضمير السياسي الوطني. إن استمرارية الصراع لم تعد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية (Clausewitzian principle) بل أصبحت هي الهدف في حد ذاته لطبقة من “أمراء الحرب” والمستفيدين من اقتصاد الظل والتهريب.
إن جردة الحساب تشير بوضوح إلى أن المنتصر الوحيد في هذه الحرب هو “الخراب” وأن الخاسر الأكبر هو “السودان” كفكرة وكيان. لقد آن الأوان للبحث عن مخرج لا يمر عبر فوهات البنادق بل عبر “هندسة سلام” وطنية شجاعة تضع حداً لهذا النزيف قبل أن يتحول السودان إلى مجرد ذكرى في كتب التاريخ كدولة كانت موجودة ثم تلاشت.



