مقالات وآراء

حين تتحول سرديات الحرب إلى وقود لها: السودان بين وهم البداية وواجب الإيقاف

حامد عثمان محمد

ليس أكثر خداعاً من ذلك الجدل العقيم الذي يلوكُه طرفا الحرب في السودان ومن يدو ر في فلكهما: من أطلق الرصاصة الأولى؟
سؤال يبدو في ظاهره بحثاً عن الحقيقة، لكنه في جوهره ليس سوى ستارٍ كثيف يُخفى وراءه العجز، ويُدار عبره استمرار المأساة.
أيّ قيمة تُرجى من تحديد لحظة البداية، بينما النهايات تتكاثر كل يوم؟
هل سيُعيد ذلك القتلى إلى الحياة؟ هل سيُرمم مدينة سُوِّيت بالأرض؟ أم أنه مجرد ترفٍ سياسي بارد، يُمارس فوق جراحٍ لم تلتئم؟
الحقيقة التي يُراد لها أن تُنسى عمداً واضحة كالشمس:
السودان اليوم لا يحترق بسبب من بدأ، بل بسبب من يستطيع أن يُنهي ولا يفعل.
كل يومٍ بلا تفاوض جاد ليس حياداً… بل شراكة مباشرة في الجريمة.
وكل خطاب تعبوي يُلقى على المنابر أو يُنشر في الفضاء العام، ليس رأياً… بل ذخيرة إضافية في حربٍ تأكل ما تبقى من البلاد.
الأشد فجاجةً من ذلك، هو هذا التلاعب الفج بالأخلاق.
تُرفع شعارات صارخة: “كيف نجلس مع من قتل وشرد؟”
وكأن الحروب في هذا العالم كانت يوماً تُدار بين أطرافٍ طاهرة!
لكن ذات الأصوات، وبلا أدنى حرج، تُصفّق حين يُعاد تدوير الخصوم، ويُستقبل المنشقون، ويُمنح بالأمس القريب “أعداء” صكّ الشراكة في لحظة تبدل موازين.
فهل الدم حرام هنا… وحلال هناك؟
أم أن المعيار الحقيقي ليس العدالة، بل المصلحة؟
هذه الازدواجية ليست مجرد تناقض… بل انهيار أخلاقي كامل.
دمٌ يُستدعى حين يخدم الخطاب، ويُنسى حين يُربك الحساب.
خصم الأمس يُلمّع، وخصم اليوم يُشيطن.
وبهذا المنطق، لا تُبنى أوطان… بل تُدار مسارح صراعٍ مفتوحة بلا نهاية.
إن أخطر ما أنتجته هذه الحرب ليس السلاح وحده، بل هذا الخطاب الذي يُعيد تعريف الإنسان وفق موقعه في الاصطفاف:
يُبرّر القتل إن صدر من “طرفنا”، ويُدان إن صدر من “الآخر”.
وهنا تحديداً تُزرع بذور الحرب القادمة، لا الحالية فقط.
أما الذين يظنون أن استمرار هذا المسار سيمنحهم نصراً، فهم لا يرون سوى نصف الصورة.
النصف الآخر هو بلدٌ يتفكك، مجتمعٌ يتمزق، وأجيالٌ تُسلب منها الحياة قبل أن تبدأ.
الحقيقة القاسية التي يهرب منها الجميع هي هذه:
لا أحد في هذه الحرب يملك احتكار الطهارة، ولا طرف يقف خارج دائرة المسؤولية.
الجميع—بدرجات متفاوتة—جزء من المأساة.
ومن هنا فقط يبدأ الطريق الحقيقي:
ليس عبر المزيد من السرديات، بل عبر قرارٍ شجاع بوقفها.
الجلوس إلى طاولة التفاوض ليس ضعفاً… بل آخر ما تبقى من قوة.
ليس هزيمة… بل محاولة متأخرة لإنقاذ وطنٍ لم يعد يحتمل مزيداً من العناد،
ولا مزيداً من الأكاذيب،
ولا مزيداً من الدم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..