مقالات وآراء

بعيدا عن السياسة حوار مع ابنتي

د. محمد عطا مدني

كانت نهى – ولا زالت – تدغدغ مشاعري تجاه العودة للسودان..متسائلة: إلى متى يا بوى تستمر هذه الغربة؟ إلى متى نظل بعيدين عن وطننا؟ عن الأهل والأحباب؟
قضيت مع أسرتي ثلاث غربات فى ربع قرن، فى دول عربية أربع، غربة ثلاثة عشر عاما متواصلة فى اليمن، وآآآه من اليمن..بلد التناقضات والعجائب، وتلك قصة أخرى..! سافرت إليها ابنتى نهى – صاحبة السؤال – وهى طفلة ابنة أعوام ثلاثة مع إخوانها، وعادت من اليمن إلى السودان وهى شابة، فى محطة صغيرة استمرت لمدة عام واحد، حيث انتقلنا بعدها إلى الإمارات العربية المتحدة، كنت أسكن فيها فى ولاية البريمى بسلطنة عمان، والتى تبعد خطوات عن مدينة العين تلك الحسناء الإماراتية الجميلة، وكانت الغربة الثالثة بمملكة البحرين الهادئة ذات الطبيعة الخلابة التى طبعت المواطن والمقيم فيها بالهدوء النفسى والوجدانى الذى لا يتوفر فى بلد خليجى آخر..
حفظ أبنائى الأناشيد الوطنية لخمس دول عربية كانوا ينشدونها فى طابور الصباح فى كل مدرسة تنتمى إلى بلد من البلاد التى ذكرتها، بداية من السودان ثم اليمن، ثم سلطنة عمان، ثم الإمارات العربية، وانتهاء – الآن – بالبحرين، ولا نعلم بالضبط أين ستكون المحطة القادمة..!
كان يحلو لها – كما كان يحلو لجميع أبنائى- أن أحدثهم عن السودان زمان، فى السبعينات والثمانينات، وعن تلك الحياة الرغدة التى عشناها، وعن الناس وتعاملاتهم، وعن الأهل والأحباب والأصدقاء، الذين كان يتمثل فيهم الوفاء فى أروع صوره، وعزة نفس وكرم وإباء فى أجمل
ملامحه، وكنت كلما حدثتهم عن حياتى زمان فى قريتنا الحبيبة قرقود، وعن عيشتنا لثلاثة عقود بشمبات بالخطوم بحرى..أتنهد طويلا قائلا: هيييه.. كل شيء يتغير يا أولادى..حتى البشر..!
حكيت لها ولهم عن أهلنا فى المحس، عن قريتنا الوادعة القابعة فى حضن النيل وسط النخيل البواسق والهواء العليل، حدثتهم عن الأهل وحنانهم وروعتهم وشفافيتهم…قاطعتنى نهى قائلة: آى يابابا قرأنا قصيدتك عن قريتنا قرقود، ودمعت أعينى فرحا وحزنا..فرحا وتأثرا بمقابلتهم لك الرائعة.. ورؤيتك لأجدادنا جدو يس وجدو يحيى..وحبوباتنا جايرة وفاطمة وآمنة مدنى، الذين رحلوا عن عالمنا دون أن نراهم، وحزنا لأننا لم نر سوى من كان منهم بالخرطوم، عمو سيف الدين وأولاده..وحبوبة صابرة، وعمتو سعيدة أبو شنب..أنا حبيت سماح كتير وكنا بنتزاور طوالى، وخالتو سامية شمت أمهم الحنون..وكمان عمو نور الدين الكان بيجينا ياخد معانا الخميس والجمعة لمن كنا فى اليمن مع بعض..وعمو حسين صادق وأولاده، وجدو شهاب الدين وجدو طالب.. شفناهم هنا فى البحرين لكن ما شفنا قرقود – واستدركت – ولكن حسينا بيها.. أيوة يابوى..حسينا بروعتها من خلال قصيدتك..ومن حكاويك عنها، شفنا قيف النيل بعين الخيال..وأنتم شباب تقطفون منه الطماطم الصغيرة اللذيذة..روينا عطشنا من الموية الباردة فى الأزيارعلى شاطئ النيل تحت النخيل القصار..أكلنا معاكم الرطب المغسول بالمياه المعكرة بموية النيل..أحسسنا بحلاوة الرطب فى خشومنا من حكاويك..نمنا معاكم على العنقريب تحت النخيل والملاية ترفرف فرحة بهواء النيل العليل..نعمنا بدفء وحنان أجدادنا وحبوباتنا كما نعمت أنت..متى يابوى نرى من تبقى منهم من الأحباب؟ قلت فى أسى: كان هنالك حنان متدفق ياابنتى من الأهل والأحباب بما لا يستطيع قلبك الصغيرتحمله، وكانت الخرطوم التى عرفناها شبابا رائعة وجميلة.. بل جنة وارفة فى السبعينات والثمانينات، ولكنها للأسف تحولت الآن بطريقة لم نعهدها من قبل..ولم يعهدها الخلق السودانى.. زمان يا ابنتى كان لنا أصدقاء من كافة أصقاع السودان، كيف كنا نلتقى فى شوق فى بداية العام الدراسى بالجامعة.. كيف كنا متحابين – كزملاء دراسة – من كل قبائل السودان، شماله وجنوبه، شرقه وغربه، وأذكر أنه كان لنا صديق من دارفور.. حيدر أبو شوك.. والذى كان يأخذنا إلى سيارته بعد المحاضرات ليرينا ما أحضر لنا من جبل مرة ..البرتقال الكبير أبو صرة (الحبة قدر البطيخة الصغيرة).. ذلك البرتقال الذى لم يكن له وجود فى أسواق العاصمة.. يقول لنا وهو يضحك .. اتغذوا.. ما بتلقوه تانى!! هل كانت عبارته تلك فى السبعينات من أجل المزاح؟ أم أنها كانت نبوءة غير مقصودة لما حدث من مأساة بدار فور، أكلت الأخضر واليابس بعد سنوات طويلة من ذلك التاريخ؟
انقطع عنا البرتقال أبو صرة..انتحر على شجرته عندما لم يقطفه أحد.. كما انتحر (الباباى) على شجرته فى الجنوب وسقط وفسد..ولم نذقه إلا فى الغربة..وزادت الجفوة بين الشمال والشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، وحدث ما حدث بعدها من تقسيم للسودان إلى دولتين، وتقسيم شعبه إلى شعبين، ومناطقه إلى جهويات مختلفة تنافرت لأول مرة فى تاريخها..!
حكيت لهم عن ابراهيم يونس ابن جوبا، أخى وزميلى فى كلية الفنون الجميلة، الدنكاوى الذى كان يشكل عالما قائما بذاته من الظرف والطرافة والنكتة الحاضرة، كانت تعليقاته على الأساتذة والطلبة ذكية وطريفة ولماحة، وكان ينفجر فى ضحك هستيرى يهتز له جسده الضخم بعد كل ملحة يرويها، وكنا نضحك معه من أعماق قلوبنا.. الآن.. وبعد التقسيم أصبح ابراهيم يونس – برسم الإعلام السودانى الذى احتفل بترحيل الجنوبيين من الخرطوم- أجنبى لازم يجى الخرطوم بفيزة سياحية..!
حدثتهم عن وداعة (الجمهورى) وهدوئه وصبره الشديد عندما يتناوشه (الإخوان) فى (الشيد) (كافتيريا كلية الفنون) فى (البريك) بين المحاضرات، وهو يرد على الهجوم العنيف عليه وعلى حزبه بالهدوء والروية، والابتسامة التى لا تفارق وجهه.
وكان قمة العطاء الأخوى والتضامن – كزملاء – حين توفى الوالد رحمه الله رحمة واسعة فى أواخر السبعينات، كيف كان زملاء الدراسة من كافة أنحاء السودان يتوافدون على خيمة العزاء ويترددون يوميا حتى انتهت أيام العزاء الثلاثة، ومع ذلك تواصلوا معى بالزيارة لأيام طويلة بعد ذلك، وهى أيام صعبة يمر بها الإنسان ويحتاج فيها إلى من يضمد له جراحه، ويعينه على تحمل مرارة الفقد، وكان الملفت للنظر، ليس ذلك التضامن وتلك المحبة بيننا كزملاء رجال رغم بعد المسافات واختلاف السحن والقبائل والألوان، وإنما حضور زميلات الدراسة من كل مناطق السودان للعزاء ومساعدة الأسرة فى إعداد الطعام للمعزين، أذكر إحداهن من كبريات أسر بربر، والثانية ابنة أحد كبار تجار الأبيض، والثالثة من شندى، والرابعة من سنار، والخامسة من دنقلا…!
شايفة يا ابنتي.. كان هذا هو السودان الحقيقى بلا رتوش ولا قبليات..ولا جهويات..! وعندما
زرت الخرطوم بعد عامين فقط مكثتهما فى اليمن، أحسست أن هذه المدينة ليست هى التى عشت فيها أكثر من ثلاثين عاما..الخرطوم التى أعرفها اختفت تحت غيوم سوداء كثيفة وغريبة..
سرحت ابنتى بعيدا بعينيها فيما وراء الأفق.. لعلها كانت تحاول استكشاف كنه هذه الغيوم.. ومن أين جاءت.. ولماذا جاءت؟ تحدثنا بلا شفاه تتحرك.. تبادلنا أفكارا بلا كلمات تقال.. عبر وجهها الجامد عن مأساة ما.. لاحظت هى تجهم وجهى وأنا أستعيد ذكريات خلت عن (سوداننا المفقود)، كفردوس محمد أحمد محجوب فى قصيدته عن الأندلس:
نزلتُ شَطكِ، بعدَ البينِ ولهانا‎ فذقتُ فيكِ من التبريحِ‎ ‎ألوانا‎
وسِرتُ فيكِ، غريباً ضلَّ سامرُهُ‎ داراً وشوْقاً وأحباباً وإخوانا‎
لاحظت تجهمى.. ودائما كانت تعترينى هذه الحالة عندما أتحدث عن وطنى الجميل.. كيف كان، وكيف أصبح؟ وكانت تمر بى سحابة من الحزن العميق عندما أفكر فيما أصاب بلدنا من تدمير مقصود، تعجز عن القيام به أعتى الدول الاستعمارية..
قالت لى بابتسامة، مستغلة ذكائها فى محاولة لتغيير الموضوع: وماذا عن عملك كمعلم؟ مهنة متعبة أليست كذلك؟.. ضحكت إبنتى فجأة وأردفت بسرعة كأنها تحاول تغيير حالة تعكير المزاج التى انتابتنا: كان لدينا فى الثانوى أستاذ لغة عربية مكشكش، واحنا جنّناه زيادة..! بابا..ماذا أعطتك هذه المهنة بعد كل هذه السنين؟
زال التجهم قليلا وحل محله شبه ابتسامة، تذكرت طلبتى الأوفياء..قلت لها: الحمد لله لم يجننى أحد من طلابى، لأنى تعودت على إقامة رباط وثيق من المحبة بينى وبينهم فى كل مكان عملت به سواء فى السودان أو خارجه، العلاقة الجيدة بين المعلم وطلبته يانهى عامل مهم لا يدركه ولا يعرف قيمته كثير من المعلمين، إذا اهتم المعلم بطلبته، أحبوه، وإذا أحبوه فهموا منه، وأخلصوا له.. ضحكت متذكرا موقفا حدث لى فى اليمن..بجامعة صنعاء.. خلافا نشأ بينى وبين أحد الأساتذة من بلد عربى أسيوى.. وكان مكروها من الطلاب.. تعرفى ماذا قال لى أحد طلبتى وهو يتمنطق بكلاشنكوفه وجنبيته (الخنجراليمنى التراثى المعروف).. تحب يا دكتور نأخذه للجبل ونديه طلقة ونخلص عليه ولا من شاف ولا من درى (كما يقول اخواننا المصريين؟) وصحت فيه قائلا: لا..لا..الحكاية ما توصل لهذا الحد..ربنا يهديه..!!
مهنة التعليم – يا ابنتى- مهنة جميلة إذا أحببتيها وأخلصتى لها، هى مهنة العطاء المتجدد الذى لا حدود له، وأستطيع أن ألخص حبى لتلك المهنة بما جاء على لسان الشاعر السودانى الكبير الدكتور مبارك حسن الخليفة فى قصيدته (أنا المعلم) حيث قال:
هى مهنتى.. وأنا الذى أختارُ وأنا المعلم والمدى.. أفكارُ
وأنا الذى فرح الزمانُ بذكرهِ وتزينت بحديثهِ السمَّارُ
لو كنت قد خُيِّرتُ منذ ولادتى ما كنتُ غيرَ معلمٍ أختارُ!
أما ماذا كسبته من هذه المهنة خلال خمسين عاما قضيتها فى مجال التعليم، هو ما يعبر عنه نفس الشاعر تعبيرا بليغا عن مهنته المحببة فى نفس القصيدة بقوله:
هى فى الحياةِ محبتى وسعادتى وهى الشقاءُ المرُّ والإعصارُ
ما كنتُ يوماً يا أحبتى حاسداً لكن عقلى فى الحياةِ.. يَحَارُ!
فى الحقل أبذرُ ثم تَسقى أدمعى ما قد بذرتُ وتزدهى الأثمارُ
وإذا مددتُ للقطافِ أناملى رجعت إلى.. وملؤها أصفارُ!
ويبقى الحصاد المهم فى مهنتنا هذه، هو تلكم المشاعر الطيبة التى يقابلنا بها طلبتنا كلما التقينا، ومع أننى أتذكرهم بصعوبة لتغير أشكالهم وأحجامهم، إلا أنهم لا ينسوننى بالرغم من مرور السنوات الطوال..
وأذكر – يا ابنتى فيما أذكر- تلك السيارة التى وقفت بجوارى فجأة فى شارع الحاج يوسف ببحرى، مثيرة الكثير من الغبار حولى، وذلك الرجل الذى نزل منها، والذى يتمتع بكثير من الوسامة، مرتديا بذة كاملة وربطة عنق أنيقة..وقد أقبل نحوى بهامته العالية فاتحا ذراعيه، ولكنى ارتبت كثيرا عندما رأيت شرطيا ينزل من نفس السيارة ويهرول بسلاحه وراء الرجل، وأخذت أفكر فيما يمكن أن أكون قد ارتكبته من أخطاء، قد أكون خالفت إشارة المرور؟ ولكننى تذكرت فجأة أننى كنت راجلا.. ولم أكن أمتلك سيارة حينئذ، وحمدت الله كثيرا على تلك النعمة، نظرت إلى كيس الخبز والخضار بيدى.. فتحته وألقيت عليه نظرة سريعة.. قلبت ما فيه، الحمد لله، ليست هنالك أية ممنوعات، خبز وخيار وعجور وطماطم فقط..نظرت حولى قد أكون قد اعتديت على أحد دون أن أدرى.. لم أجد أحدا يهتم بى.. المكان سوق.. والكل يهرول كى يشترى أو يبيع.. فى تلك اللحظات اقترب الرجل منى وأزال ريبتى بمعانقتى.. ثم بالسلام على بشدة وبإسمى قائلا: أهلا أستاذى عطا.. (وذكرني بنفسه) ثم قال والبشر يعلو وجهه: والله يا أستاذي لا يمكن أن أنسى أنك درستنا ثلاث سنوات ونحن فى المتوسط بمدرسة بحرى الحكومية ولم تضربنا ولا مرة (وكأن الضرب هو الشىء الذى كان معتادا..!) – وأذكر – يواصل الرجل الأنيق- أننا أحببناك وأحببنا طريقة تدريسك، كنت تدرسنا كل شىء باستخدام الوسائل التعليمية، رسمنا معك الخرائط المجسمة للسودان والوطن العربى..وبنينا معك نماذج لآثار مروى وأهرامات شندى.. وزينا الصف باللوحات الملونة..وحيطان المدرسة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والحكم الإسلامية..استمتعنا بتدريسك.. ولا أنس مطلقا ما درسته لنا حتى الآن! – وعرفنى بنفسه – أنا كنت قاضيا بمدينة الأبيض – انفرجت أسارير وجهى يا ابنتى..وزال ارتيابى تماما من رؤية الشرطى..وتنفست الصعداء! – والآن أنا منقول لبحرى- يستطرد الرجل – استقلت من القضاء، وفتحت مكتبا للمحاماة، ويسرنى أن ألتقيك بمكتبى بشارع… وأعطانى بطاقته وحيانى وانصرف..
لاحت شبه ابتسامة على وجهى، شعرت بالامتنان الشديد بينى وبين نفسى.. لقد صنعت وزملائى المعلمين فى كل بقاع السودان أجيالا ناجحة مثل هذا الرجل.. الحمد لله .. هذا هو الحصاد – يا ابنتى- الذى لا يقدر بثمن..!
مكث أولادى عاما واحدا بالسودان، ثم انتقلنا وراء لقمة العيش من اليمن إلى الإمارات، عاما واحدا قضاه أولادى بالسودان.. من مجموع ربع قرن من الغربة، عدت إلى منزلى (سادتى) قبل سفرى بأولادى إلى الغربة الثانية بأيام، فوجدت ابنتى وسط بنات خالاتها وعماتها وهى تحتضنهم بذراعيها، لاحظت استغرابى.. نظرت إلى طويلا وقالت فى لوعة: أنا خايفة أفقدهم تانى..!
ولم يطل احتفاظها بهن، فقدتهم بالبعد المكانى، انتقلنا إلى الامارات..ولكنها تواصلت معهم نفسيا وروحيا، كنت أسمعها بين الحين والآخر وهى تتحدث معهم هاتفيا ولديها عبارة محببة إلى نفسى دائما تقولها فى التليفون: كيفك ياعسل؟ كيف ماما وبابا؟ وكنت ألاحظ أيضا تواصل الأولاد مع أقربائهم وخاصة مع أقرانهم فى العمر.. وفكرت.. هل يمكن أن تخفف وسائل الاتصال الحديثة وأهمها الموبايل، والنت، وخلافه من مرارة الغربة التى شعرنا بها فى ثمانينات وتسعينات القرن المنصرم، كما شعر بها الآباء والأجداد الذين اغتربوا فى الماضى لسنين طويلة فى الأربعينات والخمسينات والستينات..وطال انعزالهم عن أهلهم وأوطانهم نتيجة عدم توفر وسائل الاتصال الحديثة؟ ربما..!
لاحظت ابنتى على وجهى شبح ابتسامة ما، أرهقها توالى الأيام والسنين..قالت لى ونحن نتأهب للانتقال إلى الغربة الثالثة فى البحرين: لما وطنا السودان بكل هذا الجمال الذى تحكيه لنا.. لماذا تتركونه وتنتقلون كل عدة سنوات من بلد إلى بلد؟ تنهدت طويلا وقلت لها: الإجابة يا ابنتي تحتاج إلى صفحات طويلة يضيق بها المقام.. وصحيفة الجالية السودانية التى طلبت منى كتابة خواطرى عن الغربة، حددتنى بثلاث صفحات فقط، وقد تجاوزتها الآن بصفحة ونصف، وقد يرفضوا نشر هذا المقال.. وأضفت: لو سمحوا لى بمقال آخر.. قد أتمكن من الإجابة على سؤالك.. ولكن حتى ذلك الحين.. والذى قد لا يأتى مطلقا..هل يمكنك تمثل واستيعاب كل هذه القيم السامية، والعادات الأصيلة، والمشاعر الحانية التى حدثتك عنها طويلا، والتى يتمتع بها أقاربك فى المحس وأهلك فى السودان عموما حينما تعودين إلى بلدك؟
رمقتنى للحظات بنظرات حائرة، وأخيرا استقرت نظراتها الحانية على وجهى وقالت: سأحاول.. لن أعدك بشىء .. ولكننى سأحاول.. على الأقل.. حتى لا يقولوا.. “حناكيش”!!
د.محمد عطا مدنى
البحرين 2013م
استدراك: تزوجت إبنتى فى الغربة، وعاشت فى (الخبر) بالمملكة، وعدت أنا إلى الوطن.. فى استراحة لثلاث سنوات قبل مواصلة الغربة..
واستمرت هى فى الغربة الخامسة من عمرها ومن عمر الزمن …أصبح لها 4 أطفال..لابد وأن يكونوا قد حفظوا النشيد الملكى السعودى أيضا…!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..