مقالات وآراء

ارفعوا مقام المغنين والفنانين

حين استمعتُ إلى ذلك التسجيل النادر للفنان الكبير محمد عثمان وردي، وهو يغني في حفل جامعة القاهرة عام ١٩٦٩، لم يكن ما شدّني جمال الصوت وحده، بل وضوح الموقف الذي ينطق من داخله.
لم يكن وردي مغنيًا يزيّن الكلمات، بل فاعلًا يعيد توجيهها؛ وحين بدّل “يا ثوار أكتوبر.. يا صناع المجد..” إلى “يا ثوار أفريقيا”، لم يكن يرتجل، بل كان يعلن انحيازًا صريحًا، ويضع الفن في موقعه الطبيعي: أداة وعي، لا وسيلة تسلية.
هذه اللحظة تكشف حقيقة يتعمّد كثيرون تجاهلها: الفن ليس حياديًا، ولم يكن يومًا كذلك.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مواربة: لماذا يُراد للفنان أن يكون مسليًا فقط، بينما يُسمح لغيره باحتكار تشكيل الوعي؟
في التجربة الإنسانية، لم يكن الفن هامشًا، بل كان في قلب التحولات الكبرى.
في أوروبا، كان الفن جزءًا من السلطة الرمزية، ثم صار أحد أدوات تحريرها.
أما في عالمنا، فقد جرى العكس: جرى تجريد الفن من قيمته، لا لأنه بلا قيمة، بل لأنه خطر.
خطرٌ على من يريدون احتكار العقول، وخطرٌ على خطابٍ لا يعيش إلا في بيئةٍ مغلقة لا ينافسه فيها صوتٌ آخر.
ولذلك، لم يكن الهجوم على الفن بريئًا، ولا كان التقليل من شأن الفنان مسألة أخلاقية كما يُصوَّر، بل كان جزءًا من معركة سلطة.
فحين يُختزل الفن في “لهو”، وحين يُطالَب الفنان بأن يكون “مؤدبًا” وفق معايير ضيقة، فإن المقصود ليس تهذيب الفن، بل تحييده.
أي نزع قدرته على الإزعاج، على السؤال، على زعزعة المسلّمات.
إن الأغنية، في حقيقتها، ليست مجرد نغمة، بل خطاب مشحون بالمعنى، يتسلل إلى الوجدان حيث تعجز الخطب المباشرة.
ولهذا تحديدًا يخشاها من يملكون سلطة الكلام العالي؛ لأن الفن لا ينافسهم في الضجيج، بل يتجاوزهم إلى العمق.
وحين يصل فنان إلى مرتبة محمد وردي، فإنه لا يعود فردًا، بل يتحول إلى قوة معنوية مستقلة، تُنتج معنى الحرية خارج الأطر الرسمية، وتمنح الناس لغةً أخرى لفهم أنفسهم.
ومن هنا، يصبح معيار تقييم الفنان مختلفًا تمامًا عما يُراد له أن يكون.
ليس السؤال: هل هو “ملتزم” بالصورة الأخلاقية التي يفرضها البعض؟
بل: ماذا فعل بعقول الناس؟
هل وسّع أفقهم أم ضيّقه؟
هل حرّك فيهم الأسئلة أم كرّس فيهم الخضوع؟
وفي هذا السياق، تبدو المفارقة السودانية صارخة: مجتمع يستهلك الفن بكثافة، لكنه يتردد في الاعتراف بقيمته.
يغني مع الفنان في الأفراح، ويبكي معه في المآتم، ثم يتراجع ليضعه في مرتبة أدنى، وكأن التأثير الذي يمارسه لا يستحق الاعتراف.
هذه الازدواجية ليست صدفة، بل نتيجة مباشرة لخطابٍ نجح في فرض نفسه وصيًا على القيم، بينما عجز عن إنتاج الجمال نفسه.
لكن تحميل “رجال الدين” وحدهم المسؤولية تبسيط مريح لا يفسّر كل شيء.
فالمشكلة أعمق: إنها في ثقافة عامة تخشى الحرية حين تأتي في غير قوالبها المعتادة، وتفضّل اليقين الموروث على القلق الخلّاق الذي يثيره الفن.
إنها ثقافة تميل إلى الطمأنينة الزائفة، حتى لو كان ثمنها إفقار الحسّ الإنساني.
ومع ذلك، فإن الوقائع عنيدة: المجتمعات التي تُحاصر الفن تُنتج إنسانًا مشوّهًا، محدود الحساسية، ضعيف القدرة على التعاطف.
بينما المجتمعات التي تفتح له المجال، تُنتج إنسانًا أكثر توازنًا، أقدر على الفهم، وأقل قابلية للانقياد الأعمى.
لقد كان وردي، في تلك اللحظة، يمارس دورًا سياسيًا بالمعنى الأعمق للكلمة، دون أن يرفع شعارًا مباشرًا.
كان يعيد تعريف الانتماء، ويوسّع أفقه، ويضع المستمع أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: من أنت، وإلى أي عالم تنتمي؟
وهنا يتحدد الاستحقاق الحقيقي للفنان: ليس في كونه محبوبًا، ولا في كونه “قدوة” بالمعنى التقليدي، بل في كونه فاعلًا في معركة الوعي.
ولذلك، فإن إنزال الفنان من مقامه ليس مجرد ظلم فردي، بل هو إفقار متعمد للمجتمع كله.
إن الفنان الذي يوقظ الناس أخطر – وأجدر – من الذي ينامون على صوته.
ومن هنا، فإن رفع مكانة الفن ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية: لأن معركة الإنسان الحقيقية ليست فقط على الخبز والسلطة، بل على المعنى أيضًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..