
السلام أجمل هدية للملايين الشقية.. فليصبح هو القضية
الحوار لا البندقية: إنقاذ ما تبقى من وطن قبل فوات الأوان
السودان الذي انتزع استقلاله في يناير 1956 لم يكن مجرد دولة وليدة. كان قوة ذات سيادة ونفوذ، ساهمت في تحرير أفريقيا والعالم العربي، ونسجت علاقات خارجية متينة مع الغرب. لكن هذا المجد انكسر حين تحالف الرئيس جعفر النميري مع الإسلاميين لتعزيز سلطته، وأشهر “قوانين سبتمبر 1983”. قوانين رفضتها القوى الوطنية، ودفعت البلاد إلى قطيعة مع العالم الديمقراطي. قطيعة فتحت شهية القوى المعادية لوحدة السودان لدعم مشاريع التقسيم، وتأجيج الصراعات، وتمويل الحركات المسلحة ضد المركز.
صحيح أن نظام مايو سقط لأسباب موضوعية، لكن ممارساته الباطشة عجّلت بالرحيل. ومنذ ذلك الحين، تحوّل السودان في العقل الغربي من “حليف استراتيجي محتمل” – بموقعه الخطر على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وثرواته الهائلة – إلى “خصم يجب إضعافه”. فصارت الاستراتيجية واضحة: إبقاء السودان مأزوماً حتى تحين لحظة الانقضاض على موارده ونهب ثرواته
لكن تظل الكارثة الكبرى أن أبناءه ساهموا في تعميق هذه العزلة وفتق جراح الوطن…!
لماذا؟ لأن عقلية سلطوية متجذرة حالت دون إصلاح العلاقات مع العالم فمنذ الحكم التركي المصري 1820، مروراً بدولة “السيف والخازوق” 1885 بعد تحرير الخرطوم ثم الاستعمار البريطاني 1899م وصولاً للاستقلال ظلت السلطة شمولية قابضة فاسدة مستبدة حتى الديمقراطيات الوليدة عقب الانتفاضات الشعبية والموجات الثورية عجزت عن تفكيكها فظل السودان بلا سيادة حقيقية عاجزاً عن حماية مصالحه الاستراتيجية وتقوية نفوذه وتأثيره الإقليمي والدولي
وتتحمل الانقلابات العسكرية الوزر الأكبر في هذا الارتداد والانحطاط : 17 نوفمبر 1958، 25 مايو 1969، 30 يونيو 1989، وصولاً إلى 25 أكتوبر 2021. كلها خوازيق في مغروسة في خاصرة الدولة وكان أشدها فتكاً و الما انفجار حرب 15 أبريل 2023 التي وسّعت دوائر العنف وأيقظت النعرات العنصرية والقبلية بروح ثأرية ومنطق شمشوني: “عليّ وعلى أعدائي”.
ولئن كان الأمر علي نحو ما ذكرنا انفا فإن دعاة التغيير اليوم يقفون أمام واقع ملتهب يرفض فيه دعاة الحرب الإصلاح والتغيير رغم أننا بلغنا دركاً سحيقاً من الانهيار في حرب عبثية تهتك النسيج الاجتماعي و تدفعنا نحو “اللادولة”، وتهدد وجودنا الذي انتزعناه قبل 68 عاماً.
والأخطر من كل ذلك أن عقلية “ما أريكم إلا ما أرى” لا تزال تحكم وتتربع علي عرش السلطة المسلوبة من الشعب بعد ثورته العظيمة ديسمبر ٢٠١٨م
و دعاة استمرار الحرب يتصرفون كأنهم لا يرون الجحيم الذي يلهبنا ويمزق احشاء الوطن فالسلاح صار بديلاً للسلمية والعنف اصبح بديلاً للتدابير السياسة ومن العجائب أنهم يرفضون الحوار حتى يسكت السلاح دون ضمانة واحدة لإسكاته بينما كل يوم جديد يزيد المشهد تعقيداً ودماً مسفوكا بلا اسفا عليه منهم ولا صحوة ضمير تقرب المسافة بينتا رغم ادعائهم الزائف أنهم يثأرون لكرامة الإنسان السوداني الذي انهكوه بالجبايات والاعتقالات التعسفية والاتهامات الجزافية بدوافع عرقية
فلنواجههم بالأسئلة الساخنة المنطقية
أليس إيقاف نزيف الدم عبر حوار سوداني- سوداني أولى من انتظار حسم عسكري قد يمتد لسنوات ويطول ويبتلع ما تبقى من بشر وحجر؟
ألا ترتبط عودة النازحين وإغاثتهم بوقف القتال؟ ووقف القتال ألا يشترط اتفاقاً سياسياً ينهي النزاع من جذوره؟
ما جدوى تأجيل الحوار إذن؟ وهل “الحسم العسكري” أثمن من أرواح تُزهق، ونساء تُرمل، وأطفال تُشرد، وحرائر تُنتهك؟
هؤلاء نسوا أن الشعب أسقط حكمهم الشمولي الفاسد واليوم يتحدثون عن إقصاء أطراف من الحوار بحجة أنها “أشعلت الحرب”. عن أي عدالة يتحدثون وهم يصدرون الأحكام مسبقاً؟ هل نريد سلاماً دائماً أم نصراً مؤقتاً يزرع حرباً جديدة؟ المعارضة الحقيقية ليست من يوافقنا بل من يخالفنا ويظل مؤمناً بوطن يسع الجميع تنال فيه الحقوق علي أساس المواطنة المتساوية بلا تمييز
أما المحاسبة فمكانها القضاء المستقل لا أن تكون شرطاً لبدء التفاوض لذلك قلنا أن المدخل السليم لتحقيق السلام العادل في بلادنا يبدأ بمشروع وطني لتحقيق العدالة بشقيها الجنائية والانتقالية
واليتذكر هؤلاء أن الحوار لا يعني التغاضي عن الجرائم و لا يمنح شرعية للدمار او افلات من العقاب بل هو اعتراف مستحق بأن كل رصاصة انطلقت كان خلفها فشل سياسي مارسناه و الحوار مطلوب اليوم وغدا لينزع فتيل الحرب من كل الأيدي الاثمة ثم ترك القانون يأخذ مجراه على كل مجرم بلا انتقائية أو ثأرية فالعدل مقصدنا وترسيخ ثقافته مطلبنا ليتعافي الوطن من جراحه جذريا ونعيش في ظله بسلام
أما هم فإن كانوا يرفضون الحوار اليوم بتهمة أننا خونة لأننا قلنا لا للحرب فليتذكروا أن احتكار الوطنية أخطر من إستخدام السلاح في وجه الابرياء
الوطن لا يُبنى بإقصاء قواه المدنية الوطنية وتشريد أبنائه تحت مزاعم واهية ولا يُحمى جيشه بوصم كل مخالف بالراي بالعمالة القوى السياسية جزء من المشهد، رضي من رضي وأبى من أبى. وتجاهلها لن يلغيها بل سيدفعها لحمل السلاح يوما ما……. فليس منطقياً أن يتصدر المشهد شعار “بل بس” والبلاد تحترق وتضيع من بين أيدينا ونحن نراهن على زمن لا يملكه من يموت جوعاً أو قصفاً.
الآن يجب الا صوت يعلو فوق صوت العقل فالمصلحة الوطنية تقتضي تجاوز منطق المنتصر والمهزوم الذي لم يورثنا إلا الخراب هذه ليست لحظة تصفية حسابات بل فرصة أخيرة لإنقاذ وطن يحترق من براثن عقلية سلطويةمتجذرة وباطشة لا تعترف بالاخر
إن قرر البعض تأجيل الحوار فهذا شأنهم لكن السؤال الملح ماذا سيقدم التأجيل سوى مزيد من المقابر والمنافي؟ الأولوية اليوم هي وقف الحرب أولاً فلا استقرار ولا إعمار ولا انتخابات تحت القصف والموت المجاني الذي غيب الكثيرين من الأبرياء
نحن في لحظة تاريخية فارقة لا تحتمل إلا قول الحق مصير السودان لن يضمنه السلاح وحده بل يضمنه اتفاق سياسي لا يستثني أحداً إلا من لفظهم الشعب بعدما تلطخت أيديهم بدمائه الطاهرة تعقبه عدالة انتقالية لا تنتقم من أحد.
هل يُعقل أن نساوي بين من يحمل السلاح ليقتل وبين من يحمل رأياً لنناقشه نختلف أو نتفق معه؟ بيد أن هنالك مشتركات تجمعنا وتوحدنا خلف راية الوطن
أين الحكمة في إنقاذ من لم يموتوا بعد؟ لتكن الكلمة سابقة للرصاصة لا لاحقة لها.
واليعلم الجميع أن السلام هو القضية و الحوار هو الطريق السليم أما البندقية فهي الهاوية
أننا بلغنا مبلغا من معرفة واقعنا عن كثب وعرفنا أن طريق السلام مدخله في الحوار البناء الذي يجسد لثقافة تبني الحلول الجذرية الناجعة دون خشية من لومة لائم أو غضبة جهول فالوطن فوق الجميع والسلام اجمل هدية للملايين الشقية يصبح هو القضية الحوار لا البندقية.


