مقالات وآراء

حين أصبحت الـ “درون” عزرائيل السودان الجديد

محمد صالح محمد

لم تعد السماء في السودان مصدراً للاستسقاء أو رمزاً للطموح، بل تحولت إلى شاشة زرقاء باردة يتربص خلف غيومها المتقطعة “موتٌ رقمي” لا يملك قلباً ولا يترك أثراً لقاتل.
في حربِ العبث المقيمة بين ركام المدن برزت الطائرات المسيرة (الدرون) كأداة هندسية للقضاء على الحياة محولةً الفضاء السيادي السوداني إلى مسرحٍ لتصفية الوجود البشري دون تمييزٍ بين خندق عسكري وبين باحة منزلٍ عتيق.
الموت بلا ملامح:
في لغة السياسة الدولية يتحدثون عن “الضربات الجراحية” و”التقنية الذكية” لكن في أزقة مدن وقرى السودان المنسية تُترجم هذه المصطلحات إلى أشلاءٍ مبعثرة لا تفرق بين شيبٍ وشباب.
إنها التكنولوجيا في خدمه العدمية؛ حيث تضغط يدٌ مجهولة على زرٍ في غرفة مكيفة لتنهي حياة شيخٍ كان يتكئ على عصاه أمام بابه أو امرأة كانت تبحث عن حفنّة دقيق لإطعام صغارها.
الحزن هنا ليس مجرد عاطفة بل هو واقعٌ جيوسياسي مرير.
لقد جردت المسيرات الحرب من “فروسيتها” التقليدية إن كان للحرب فروسية وحولتها إلى صيدٍ بشري من طرف واحد.
الضحية لا تسمع صهيل خيلٍ ولا زئير طائرة نفاثة تمنحها ثوانٍ للفرار بل تسمع “طنين النحل” الجنائزي الذي يسبق الانفجار بلحظات معلناً نهاية القصة.
ضحايا “الخوارزميات” العمياء:
تتجاوز المأساة السودانية التوصيفات العسكرية لتصبح إبادةً تقنية للنسيج الاجتماعي:
الشيوخ: أولئك الذين صمدوا أمام تقلبات الأنظمة وعواصف السياسة لعقود يجدون أنفسهم اليوم أهدافاً “محتملة” في رصد الكاميرات الحرارية التي لا تفهم معنى “حكمة السنين”.
النساء: اللواتي يحملن عبء النزوح وتدبير الحياة في انعدامها، يلاحقهن الموت من السماء وهنّ في طريقهن لجلب الماء ليتحول ثوب “القرقار” السوداني إلى كفنٍ مخضبٍ بدمٍ تقنيّ بارد.
الأطفال والشباب: جيلٌ كان يُفترض أن يبني “السودان الجديد” صار اليوم مجرد “نقاط حرارية” في شاشات التحكم تُحذف بلمسة إصبع وكأنها خطأ في نظام التشغيل.
عجز السياسة وتواطؤ الصمت
إن استسهال القتل عبر المسيرات في السودان يعكس حالة من التحلل الأخلاقي في المنظومة الدولية فالسياسة التي فشلت في فرض ممرات آمنة وفشلت في لجم تدفق السلاح النوعي تقف اليوم متفرجة على “تجريب” أحدث تقنيات القتل في أجساد السودانيين.
إنها حربٌ بلا شهود عيان قريبين فالقاتل بعيد والضحية وحيدة والقرار يُتخذ في كواليس الاستخبارات البعيدة عن تراب الوطن.
هذا “الموت المسير” ليس مجرد أداة عسكرية بل هو رسالة سياسية مفادها أن الإنسان السوداني بات رقماً هامشياً في معادلة القوة والنفوذ.
وطنٌ تحت ظلال الأجنحة الغادرة:
بينما يتبادل الساسة الاتهامات في ردهات الفنادق الفاخرة يظل المواطن السوداني يرفع نظره للسماء بخوف ليس ترقباً لمطرٍ يحيي الأرض بل هرباً من “طنين” يحمل معه الفناء.
لقد أصبح السودان مختبراً كبيراً لـ سياسة “الموت النظيف” (بمفهوم المعتدي) لكنه في الحقيقة هو الموت الأكثر قذارة لأنه يقتل بلا مواجهة، ويغتال بلا رحمة، ويترك خلفه وطناً يئن تحت وطأة تكنولوجيا لم تصنع له إلا التوابيت.
سيبقى دم الشيخ والمرأة والطفل وصمة عار في جبين عصر “الذكاء الاصطناعي” الذي فقد ذكاءه الإنساني فوق تراب النيل.
في حضرة الفناء الرقمي… حين تستقيل الإنسانية:
إنّ استباحة الفضاء السوداني بآلات القتل المسيّرة ليست مجرد خرقٍ للسيادة الوطنية بل هي إعلانُ نعيٍ رسمي للضمير القيمي الذي لطالما تدثّرت به المنظومة الدولية.
لقد تحوّل الإنسان السوداني، في ظل هذا القصف التكنولوجي البارد، من ذاتٍ إنسانية تملك الحق في الحياة إلى مجرد “إحداثيات” في خوارزمية صماء تُدار من غرفٍ لا تشمّ رائحة الموت ولا تسمع نحيب الثكالى.
إن هذه الحرب التي تُمطر فناءً آلياً لا تستهدف “أهدافاً عسكرية” كما يدّعي منظّرو “الحروب النظيفة” بل هي تصفيةٌ مبرمجة لمقومات الوجود الاجتماعي؛ فكل شيخٍ يُغتال هو ذاكرةٌ تتبدد وكل طفلٍ يرحل هو مستقبلٌ يُبتر قبل أن يولد.
إنها السياسة حين تنحدر إلى مستوى “الهندسة الجنائية” وحين تصبح التكنولوجيا مجرد جسرٍ تقني للعبور فوق جثث الأبرياء نحو غاياتٍ سياسية لا تبالي بثمن الدم.
سيسجل التاريخ أن وطناً كالسودان بعبق تاريخه وضفاف نيله قد تُرِك وحيداً يواجه “عزرائيل الآلي” في مشهدٍ يجسد أبشع صور الاغتراب الأخلاقي للقرن الحادي والعشرين.
ستمضي هذه الطائرات ويبقى الطنين محفوراً في ذاكرة الناجين وصمة عارٍ لا تمحوها بيانات التنديد القلقة وصرخةً مكتومة في وجه عالمٍ يمتلك ذكاء الآلة لكنه فقد وبشكلٍ مأساوي قلب الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..