مأسسة العنصرية

في بلادنا المنكوبة في نفسها، لم تكن العنصرية نتاجاً عفوياً لصراعات اجتماعية معزولة، بل هي مشروع مُمنهج صاغته دولة النخبة المركزية بعناية منذ فجر الاستقلال وأصبحت سياسة معتمدة مع اختلاف الأنظمة مدنية كانت أم عسكرية.
لم تكتف هذه الدولة الغنائمية التي لبست رداء القبيلة بالفشل في إدارة التعدد، بل ذهبت أبعد من ذلك: حولت التنوع إلى أداة للهيمنة، والاختلاف إلى وقود دائم للصراع.
هكذا وُلدت “مأسسة العنصرية القبلية” كسياسة حكم، لا كعرض جانبي يمكن تبريره على المستوى الاجتماعي.
إن سؤال الهوية في التجربة الرواندية الذي كان ورقة المستعمر الرابحة لتكريس هيمنته – “هل أنت هوتو أم توتسي؟” والذي انتهى بمجزرة مروعة ما زالت تدمي قلب الإنسانية – ذات السؤال يجد صداه المؤلم في السودان، ولكن بصيغة أكثر تعقيداً وخطورة.
فالدولة السودانية لم تترك هذا السؤال في إطاره الاجتماعي وليتها فعلت لسهل علاجه، بل نقلته إلى قلب مؤسساتها، وأعادت إنتاجه عبر التعليم، والإعلام، والفن والغناء، والتراث والخدمة المدنية واحتكار الأسواق بما في ذلك التجارة البسيطة، بل وحتى في توزيع السلطة والثروة.
والنتيجة: مواطن يُعرَّف أولاً بقبيلته، لا بحقوقه والتزاماته.
لقد اعتمدت الدولة النخبوية المركزية “النهبوية” على سياسة “فرق تسد” كخيار استراتيجي وشرط ضرورة لبقائها، لا كتكتيك مرحلي لخدمة غرض عابر.
عمدت هذه الدولة الغنائمية الاقصائية إلى تغذية الانقسامات القبلية، فرفعت من شأن مجموعات قبلية بعينها، ومنحتها الامتيازات والتمثيل وهذا واقع لا ينكره إلا من أصيب بعمى الانحياز وحَوَلْ المصلحة من عائد الانكار، في مقابل تهميش ممنهج لمجموعات أخرى، جُرِّدت من مواردها، وشُوِّهت ثقافتها، وأُقصيت من المجال العام.
لم يكن ذلك صدفة، بل كان جزءاً من معادلة السلطة: ولاءات مجزأة أسهل في السيطرة من هوية وطنية جامعة.
وهنا تكمن معضلة الدولة.
وهكذا تتحول الأداة إلى فاعل مستقل، وتتقاطع المصالح، وتنفلت السيطرة.
ما حدث في أطراف السودان، وما تكرر من نزاعات دامية داخل حاضرة المركز نفسه، ليس إلا دليلاً على ارتداد هذه السياسة على صانعها وما الحرب الطاحنة الآن إلا أحد ارتداد تلك السياسة وحصادها المُرّ.
إن أخطر ما في مأسسة العنصرية ليس فقط تكريس التمييز، بل شرعنته.
حين تصبح الدولة نفسها راعية للانقسام، تفقد أي ادعاء بالحياد، وتتحول من حكم بين مكونات المجتمع إلى طرف في الصراع.
عندها، لا تعود المؤسسات العامة فضاءً مشتركاً، بل أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة.
وتصبح العدالة مفهوماً انتقائياً، يُمنح ويُمنع وفق الانتماء القبلي، لا وفق القانون.
لقد آن الأوان لطرح السؤال الجذري: هل يمكن بناء دولة حديثة على أسس قبلية وعنصرية كما يتوهم بعض الانفصاليين؟
التجربة السودانية تجيب بوضوح قاس: لا وتعقبها لاءات لا متناهية.
فالدولة التي تُغذّي الانقسام والمحاباة تُقوِّض نفسها بنفسها، والوطن الذي يُختزل في هويات متناحرة يفقد معناه كإطار جامع.
وتبلغ المأساة ذروتها حين لا تكتفي الدولة بالصمت، بل تفسح منابرها للنشطاء وإعلاميي “بنكك” واللايفاتية والمتردية والنطيحة وبقايا ما أكل السبع، لترويج خطاب الإقصاء من قبيل “هؤلاء لا يشبهوننا”، وترويج تقسيم وهمي على أساس اللون لا يسنده واقع.
ولا ندري على سبيل الجزم واليقين – لصعوبة التفرقة بين – من هم الزرقة ومن هم العرب في سودان أزمة الهُوية هذا.
وحين ينزلق الخطاب الرسمي ذاته إلى ثنائية خطرة من نوع “نحن أو هم”.
عندها لا تعود الدولة حكماً بين الجميع، بل تتحول إلى راع مباشر للانقسام، ومُنتِج فعلي لاصطفافات قبلية تُهدد ما تبقى من فكرة الوطن الواحد.
إن الخروج من هذا المأزق لا يكون عبر شعارات الوحدة الجوفاء التي لا تؤكل خبزاً، بل عبر تفكيك البنية التي أنتجت العنصرية: إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس المواطنة المتساوية، الاعتراف بالتعدد الثقافي دون تراتبية انتقائية، وإقرار عدالة حقيقية في توزيع السلطة والثروة.
دون ذلك، ستظل “مأسسة العنصرية” هي القاعدة، وسيبقى السودان أسيراً لدائرة مفرغة من الصراع، تُديرها دولة لم تتعلم بعد أن التنوع قوة، لا تهديد.
وكأن بيت الشعر الدارج: “تأبى الرماح إذا اجتمعنا تكسّراً، وإذا افترقنا تكسّرت آحاداً”، الذي تعلمناه في بدايات التمدرس، لم يكن درساً في الوحدة الوطنية بقدر ما كان أداة لترسيخ سياسة الإقصاء والتفرقة.




اقتباس ( فرفعت من شأن مجموعة قبيليه بعينها ومنحتها الامتيازات والتمثيل وهذا واقع لا ينكره إلا من اصيب بعمي) انتهي
التعليق
يا كاتب المقال هذه المجموعة والتي تتحدث عنها قد رفعت من شأنها عن طريق العلم والجد والاجتهاد فكل من تعلم وكد فقد وجد فاستحقوا عن جدارة تلك المناصب والامتيازات
ثانيا تلك العمارات والتي تراها في الخرطوم والتي تنسب إلي مواطني هذه القبيله فهم لم يحصلوا عليها عن طريق الرشوه او سرقة المال العام إنما هاجروا واغتربوا عن بلادهم لسنين عددا يجمعون القرش عل القرش حتي بنوها بالحلال
,يا كيمو لك فيما ذكرت حق و الكاتب فيما ذكر حق، الدور الاجتماعي الذي يؤدي الى النجاح لا شك دور محمود اما دور المحسوبية و طرق الفساد التي تؤدي الى نجاح بالسرقة فهذا بلا شك مذموم . العمارات التي في الخرطوم منها ما هو نتاج كد و اجتهاد و منها ما هو بالسرقة و الاختلاس. فأنت و كاتب المقال على حق
الأمنجي كيمو الشويقي يبدو انك احد محرري الراكوبه وتعليقاتك وردودك الممجوجه موجوده علي اي خبر يرد في الراكوبة دونا عن بقية المعلقين!
انت تدعي ان مجموعة نخب قبائل مثلث الشر (شويقجعلي محسي دنقلاوي) قد رفعت من شأنها عن طريق العلم ولذلك تستحق الإستئثار بالسلطه والمناصب في السودان بينما الواقع يقول عكس ذلك تماما!
فلو كان العلم هو المعيار كما تزعم، ماهي مؤهلات الفريق عبود والفريق حسن بشير نصر سوي شايقيتهم وعمالتهم لمصر؟ وماهي مؤهلات المشير النميري سوي دنقلاويته وعمالته لمصر؟ وماهي مؤهلات البشير سوي جعلتيه واصوله الفولانيه وعمالته لمصر وتنظيم الاخوان المسلمين؟ ماهي مؤهلات عوض ابن عوف والبرهان وياسر كاسات وصبير سوي شايقيتهم وعمالتهم لمصر؟
يمكننا الاسترسال وايراد مئات الامثله للذين تبوأوا اعلي المناصب في السودان من الاقليه الشماليه ولا يحملون اي مؤهل سوي شهادة سودانيه مزوره ورتبه عسكريه وطغت علي السطح مؤخرا موضة تزوير حتي الشهادات الاكاديميه بينهم، فالأمي البشير وزوجته يحملان درجة الدكتوراه والدنقلاوي البليد ناجي يحمل عشره درجات بروفسور وعشرين درجة دكتوراه وكامل ادريس يحمل درجة البروفسور وثبت انه مزور حتي في شهادة ميلاده ومثله غندور ومئات حملة الدكتوراه المضروبه من جلدتك الذين اشتهروا بتزوير كل شيئ تقريبا بما فيها شهادات الانتساب للعترة والدوحة النبوية وادعاء النسب القرشي!
ههههه يا استاذي الشاعر
الكاتب قد شن هجوما علي كل شايقي ودنقلاوي وجعلي ومحسي ولم يفرز بين متعلم وغير متعلم
وانا قد وضحت له أن أفراد تلك القبائل إنما وصلوا الي ماوصلوا إليه عن طريق الاجتهاد سواء كان ذلك عن طريق العلم أو الضراع وهم في ذلك مختلفين عن باقي قبائل السودان الاخري والذين استسلموا للكسل وجلسات القهاوي أو الذين استخدموا زوجاتهم للزراعة والاعمال الشاقه نيابة عنهم وهم جالسون في منازلهم
هههههخ حلو الضراع دي عجبتني ولو الضراع بجيب كان اهلنا النوبه والجنوبيين واهل الكييك عقار وناس الغرب والادروبات هم المتحكمين في البلد دي لأنو معروفين انتو ناس ملس وما عندكم ضرعات غير ضراع اللسان
يا اخوي الشاعر يعجبني فيك صراحتك المتناهيه فانت تعلن بكل صراحة كرهك للشوايقه بصفه خاصه وقبائل الشمال بصفه عامه
وعلي ما اظن انت معجب بهذا الكاتب وجدت فيه ضالتك المنشوده لانه تطرق الي هذه المسألة الحساسه وانحيازه الواضح لفئة دون فيئة أو قبيله دون قبيله والهدف هو اشاعة الفتنه وضرب القبائل بعضها البعض وللاسف هذا هو هدف الجنجويد
والله بكل صدق انا اكره الظلم والكذب فقط وللأسف الصفتين ديل متجذره فيكم، ظلمتم اهل السودان كله ونهبتموهم وقتلمتوهم وبعد دا مستخدمين آلة الدوله وجهازها في بث الاكاذيب ومغالطة الواقع و لم تصحوا ضمائركم حتي للإعتراف الظلم الذي تسببتم فيه..
ولعلمك انا اميز تماما بين الشمالي البسيط وشمالي النخب واتغني مع النعام ادم وبلاص واليمني ومحمد جبارة ومحمد كرم الله وامجد صابر عديله وووه ويطربني ايقاع الكول البحاوي وكل ايقاعات الشمال والوسط والشرق مع اعتدادي بثقافة منطقتي وايقاعاتها المتفرده وتراثها الثر.
عندي نظرية انكم انتم الكيزان مجرد متسلطين حتي علي اهل الشمال والاغلب انكم لا تنتمون للشمال اصلا ولا حتي للسودان برمته ودليلي في ذلك سحناتكم ودمائكم، فلو نظرت لقيادات الكيزان مثل البشير والجاز وعلي عثمان والترابي واحمد عباس واحمد هرون والسنوسي والطيب سيخه ومصطفي عثمان اسماعيل ونافع وغيرهم. لو دققت في سحناتهم لوجدت انها تكاد تتطابق تمام التطابق مع الفولان الذين دخلوا السودان في الهجرات المبكره وغالبا ما يكون اجدادهم احتموا وصاهروا القبائل التي يدعون الانتساب لها بغرض الحماية وبمرور الزمن وتعاقب الاجيال صاروا شوايقة وجعليه ومحس ودناقله اقحاح!
ديل اخر،هو ان قيادات الكيزان لا يعرفون اي شيئ عن ثقافة وعادات القبائل التي يدعون الانتساب اليها، فعلي عثمان مثلا لا يعرف اغنية واحده من اغاني الطمبور وقوش لا يعرف حتي ان يتمايل مع ايقاع الدليب واحمد هرون لا يعرف عن ثقافة البرقو واهازيجهم ولبسهم وعاداتهم والبشير لا يعرف عن الجعليين شيئا ولم يتشرب ثقافتهم.
متاسف يا اخي الشاعر الظاهر انا غلطته في العنوان
اصلا تعليقي كان موجه الي المجرم مؤدب المنافقين ولكن ارسلته لك بالخطأ
مع اعتذاري
المثل بيقول : اللي في بطنو حرقص براهو بيرقص و بما ان كيمو الراقص رقص و كشف فهو في بطنه حراقص
يا احي لم يذكر كاتب المقال قبيلة معينة و لكنك تبرعت يا كيشو بكل غشامة و ذكرت ما أضمره كاتب المقال
ههههههههههه
الجاهل عدو قبيلته
سؤال بسيط يا كيشو : من أحق برئاسة الاركان في هذا العام , كباشي و لا ياسر العطا
يبدو أنك تقرأ بانتقائية؛ فلو أعدت قراءة المقال بتأن، لوجدت أنه لا يتناول الفئة التي أشرتَ إليها في ردك. المقال، كما يتضح من مضمونه، يركّز على فئة محددة وأنت تعلمها جيداً، وهي التي سخّرت مقدّرات الدولة لخدمة مصالحها الخاصة.
الكاتب لم يركز علي فيئة معينه أو نخبه حاكمه إنما فتح النار بخبث علي كل القبيله
ومقاله هذا جاء ممعنا في العنصريه
ما كان في داعي تخوض وتكتب في هذه المسائل الحساسه يا استاذ حمدين وتتحدث عن القبائل السودانيه حتي ولو كان كلامك صحيح فقد يفهمه بعض العامه خطأ وخت في بالك ( أن الفتنه نائمه ولعن الله من ايقظها )
وانا متاسف علي النقد اللاذع