الخرطوم بعد الحرب: مدينةٌ تبحث عن روحها

عروة علي موسى
بسم الله الرحمن الرحيم
…
ليست الحرب مجرد أصوات رصاصٍ تتعالى، أو أبنيةٍ تتهاوى، أو شوارعَ يعلوها الغبار والركام؛ فالحرب في حقيقتها زلزالٌ يصيب الإنسان قبل المكان، ويضرب الروح قبل الجدران، ويعيد تشكيل الحياة بصورةٍ قاسية لا تُبقي من تفاصيل الأمس إلا الذكريات. وحينما تطول الحرب، فإنها لا تسرق الحاضر وحده، بل تمتد يدها الثقيلة إلى المستقبل نفسه، فتجعله مبهماً ومثقلاً بالخوف والقلق.
ومن بين المدن التي دفعت أثماناً باهظة للحروب، تقف الخرطوم اليوم شاهدةً على واحدةٍ من أعنف الكوارث الإنسانية والاجتماعية التي عرفها السودان الحديث. فهذه المدينة التي كانت تضج بالحياة والحركة والتجارة والعمل، تحولت بفعل الحرب إلى مدينةٍ مثقلةٍ بالجراح، منهكةٍ من النزوح والفقر والانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
لقد دخلت حرب السودان عامها الرابع، وما تزال آثارها تتسع يوماً بعد يوم، حتى بات إنسان الخرطوم يعيش واقعاً يفوق الوصف قسوةً وألماً. فالإنسان البسيط الذي كان يعيش على كدِّ يومه، ويقتات من حركة الأسواق والمهن البسيطة والأعمال اليومية، وجد نفسه فجأة خارج دورة الحياة الاقتصادية تماماً. ذلك المواطن الذي لم يكن يملك ثروةً ولا مدخراتٍ كبيرة، وإنما كان يعتمد على رزق اليوم باليوم، صار الآن في مواجهة الفقر والعوز والتشرد وفقدان الأمان.
قبل الحرب، كانت الخرطوم مدينةً مكتظةً بالحياة، يربو عدد سكانها على خمسة عشرة مليون نسمة، وكانت رغم ضيق العيش وتراكم الأزمات، تحتفظ بقدرتها العجيبة على الاستمرار. الأسواق تعمل، والمواصلات تتحرك، والناس تكابد وتعيش وتأمل. كانت الحياة تمضي بعناد السودانيين المعروف، وبصبرهم الذي يشبه الأرض حين تتحمل القيظ والجفاف ثم تمنح الزرع والمطر.
غير أن الحرب جاءت لتقتلع ذلك كله دفعةً واحدة.
فالمنازل التي شُيِّدت بعد سنواتٍ طويلة من الكفاح والاغتراب والتعب، تعرضت للنهب والتخريب. والأحياء التي كانت تنبض بالألفة والجيرة الحسنة، تحولت إلى مساحاتٍ موحشة يسكنها الخوف والصمت. والأسر التي كانت تستر نفسها بالكفاف، أصبحت اليوم عاجزةً حتى عن توفير أساسيات الحياة. بل إن كثيراً من أبناء الخرطوم صاروا فجأةً في عداد الفقراء والمحتاجين بعد أن فقدوا مصادر دخلهم وممتلكاتهم وذكريات أعمارهم.
والمؤلم في الأمر أن آثار الحرب لا تتوقف عند حدود الدمار المادي، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي والنفسي للإنسان نفسه. فالحروب الطويلة تُنتج جيلاً مثقلاً بالقلق والانكسار، جيلاً اعتاد مشهد الموت والنزوح والخوف، وفقد الإحساس الطبيعي بالأمان والاستقرار. كما أنها تُضعف الروابط الاجتماعية، وتزرع في النفوس مرارة الفقد والإحباط، وتحوّل الإنسان من كائنٍ يحلم بالمستقبل إلى إنسانٍ منشغل فقط بالنجاة من الحاضر.
إن الخرطوم اليوم لا تحتاج إلى بياناتٍ عاطفية أو خطاباتٍ مؤقتة، بل تحتاج إلى مشروع وطني كبير يعيد بناء الإنسان قبل البنيان. فالمدينة التي احتضنت ملايين البشر من مختلف بقاع السودان، وقدمت لهم فرص الحياة والعمل والتعليم والعلاج، لا يجوز أن تُترك وحيدةً تواجه مصيرها القاسي.
إن الواجب الوطني والأخلاقي يفرض على الدولة، وعلى القوى السياسية، وعلى رجال المال والأعمال، وعلى المجتمع المدني، أن يتوافقوا جميعاً على خطة إنقاذ حقيقية تعيد للخرطوم قدرتها على الحياة. فإعادة الإعمار ليست مجرد إسمنتٍ وحديد، وإنما هي إعادة بناء الاقتصاد، وإحياء الأسواق، وتعويض المتضررين، وتوفير فرص العمل، وإعادة الخدمات الأساسية، وخلق بيئةٍ آمنة تساعد الناس على العودة والاستقرار.
كما أن إنسان الخرطوم يحتاج اليوم إلى ما هو أكبر من الإغاثة المؤقتة؛ يحتاج إلى استعادة كرامته وإحساسه بالأمان والانتماء. فالمدن العظيمة لا تُقاس بحجم مبانيها فقط، بل بقدرتها على احتضان الإنسان وصيانة كرامته.
وإذا كانت الحرب لا تفرق بين المدني والعسكري، ولا ترحم صغيراً ولا كبيراً، فإن السلام الحقيقي أيضاً يجب أن يكون سلاماً للجميع، سلاماً يعيد للناس حقهم في الحياة الطبيعية، ويمنح الأطفال مدارسهم، والعمال أعمالهم، والأسر بيوتها، والمدينة روحها التي فقدتها تحت أزيز الرصاص.
إن الخرطوم ليست مجرد عاصمة سياسية للسودان، بل هي ذاكرة وطنٍ كاملة، ومكانٌ تشكلت فيه أحلام الملايين وذكرياتهم. ولذلك فإن إنقاذ الخرطوم ليس قضية مدينةٍ وحدها، وإنما قضية وطنٍ بأكمله.
ويبقى الأمل قائماً، لأن الشعوب التي استطاعت أن تنهض من تحت الركام قادرةٌ على أن تصنع الحياة من جديد. غير أن ذلك لن يتحقق إلا إذا أدرك الجميع أن إعادة بناء الخرطوم ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية وإنسانية عاجلة، حتى لا تتحول هذه المدينة العظيمة إلى قريةٍ كبيرة ينهش الفقرُ والعوزُ أهلها، ويغادرها وجهها الذي عرفه الناس مدينةً للحياة والتسامح والتنوع والجمال.
عروة علي موسى



