مقالات وآراء

حين تفشل الأرض في حل الأزمات… تبدأ الرحلات نحو السماء

وفاء التوم

في كل مرة تبلغ فيها السياسة حدود عجزها، ويصبح الواقع أكثر تعقيداً من قدرة اللاعبين على احتوائه، تبدأ الأنظار في الارتفاع إلى الأعلى. ليس بالمعنى الديني الخالص فحسب، وإنما بالمعنى الرمزي أيضاً؛ حيث تتحول السماء إلى استعارة كبرى لكل ما هو خارج الحسابات التقليدية: الخلاص، المعجزة، الشرعية الأخلاقية، أو حتى البحث عن شاهدٍ محايد يقف فوق صخب المصالح وتلوث المعارك.

فالدول المنهكة بالحروب لا تبحث دائماً عن حلول بقدر ما تبحث أحياناً عن “بركة” تمنح الحلول شرعية معنوية. والسياسي الذي يفشل في إقناع الداخل، يحاول أحياناً الاحتماء بصورة خارجية أكثر طهارة وأقل تلوثاً من المشهد المحلي. لذلك لم يكن غريباً عبر التاريخ أن تتحول المؤسسات الدينية الكبرى، والزعامات الروحية، وحتى الرموز الأخلاقية العابرة للحدود، إلى محطات تلجأ إليها الأنظمة المتأزمة والنخب المرتبكة عندما تتعطل لغة القوة وتفقد السياسة قدرتها على إنتاج الأمل.

في لحظات الانهيار الكبرى، تصبح الزيارة إلى مكانٍ ذي رمزية روحية أعلى من مجرد لقاء دبلوماسي. إنها محاولة لإعادة إنتاج الصورة. فحين يظهر السياسي أمام رمز ديني عالمي، فإنه لا يريد فقط مناقشة ملفات الحرب والسلام، بل يريد أن يستعير شيئاً من هيبة المكان وطهارة الرمز. يريد أن يبدو أقل التصاقاً بالفشل اليومي، وأكثر قرباً من صورة “رجل الدولة الباحث عن السلام”، حتى وإن كانت الأرض التي جاء منها لا تزال تحترق تحت أقدام المدنيين.

المفارقة أن كثيراً من هذه الرحلات لا تبدأ من الإيمان الحقيقي بإمكان الحل، بل من اليأس من قدرة الواقع على الاستجابة. فعندما تتآكل المؤسسات، وتتشظى النخب، وتتحول التحالفات إلى أسواق مفتوحة للمصالح المؤقتة، يصبح البحث عن “معجزة سياسية” أمراً مفهوماً، حتى وإن لم يُعلن بذلك صراحة. ولهذا يبدو المشهد أحياناً كأن السياسي لا يسافر إلى الخارج حاملاً مشروعاً متكاملاً للسلام، بل حاملاً أمنية شخصية بأن تمنحه الصورة الجديدة فرصة إضافية للبقاء.

إن السلطة، حين تدخل مرحلة القلق الوجودي، تصبح شديدة الولع بالرموز. فالكرسي المرتبك يبحث دائماً عن غطاء أخلاقي يحميه من السقوط، والسياسي المحاصر بالأزمات يحاول تغليف نفسه بخطاب أكبر من تفاصيل الصراع اليومي. لذلك كثيراً ما تتحول كلمات مثل “السلام”، “الاستقرار”، “الحوار”، إلى عبارات مطاطية يمكن استخدامها في كل الاتجاهات؛ مرةً لإنهاء الحرب، ومرةً لتجميد التغيير، ومرةً أخرى لتبرير استمرار نفس الوجوه التي عجزت أصلاً عن منع الانهيار.

وحين تنظر الشعوب إلى هذه المشاهد، فإنها لا ترى فقط الاجتماعات الرسمية والابتسامات البروتوكولية، بل ترى أيضاً التناقض الهائل بين الصورة والواقع. ترى وطناً غارقاً في النزوح والفقر والخوف، بينما يتحرك السياسيون بين العواصم حاملين ملفات السلام كأنها جوازات عبور شخصية نحو شرعية جديدة. ولهذا تصبح السخرية السياسية حاضرة بقوة؛ لأن الشعوب المرهقة غالباً ما تكتشف أن أكثر اللحظات مأساوية تحمل في داخلها قدراً هائلاً من العبث.

في السودان، كما في كثير من الدول التي استهلكتها الصراعات الطويلة، لم تعد الأزمة مجرد خلاف سياسي يمكن حله باتفاق سريع. لقد تحولت إلى طبقات متراكمة من فقدان الثقة، والانقسامات، والاقتصاد المنهار، والدماء التي جعلت أي حديث عن السلام يبدو أحياناً وكأنه خطاب قادم من عالم آخر. لذلك فإن أي رحلة تحمل عنوان “البحث عن السلام” تُستقبل دائماً بسؤال خفي: هل هي محاولة حقيقية لإنقاذ البلاد، أم مجرد محاولة لإنقاذ المواقع السياسية؟

ذلك لأن الجماهير تعلم، بفطرتها السياسية المتراكمة، أن بعض السياسيين لا يبحثون عن السلام باعتباره نهاية للحرب، بل باعتباره صيغة جديدة لإدارة الحرب بصورة أقل كلفة عليهم. فهناك من يخاف من سقوط الدولة، وهناك من يخاف فقط من سقوطه الشخصي داخل الدولة. وبين الخوفين تضيع الأوطان.

ومع ذلك، تبقى للرمزية الروحية قوة لا يمكن إنكارها. فالعالم، رغم كل ماديته، لا يزال يحتاج إلى رموز أخلاقية تذكّره بأن السياسة ليست مجرد لعبة مصالح عارية. ولهذا فإن زيارة أماكن ذات ثقل روحي قد تحمل أحياناً رسالة إيجابية حقيقية إذا ارتبطت بإرادة صادقة لوقف النزيف. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرمزية إلى مسرح، والسلام إلى ديكور، والمعاناة الإنسانية إلى خلفية تُستخدم لتحسين الصورة العامة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أزمة وطنية هو أن تتحول إلى “مادة بروتوكولية” تُستهلك في الصور والخطب والزيارات، بينما يبقى الناس وحدهم يدفعون الثمن الحقيقي. فالشعوب لا تحتاج إلى معجزات بقدر حاجتها إلى شجاعة سياسية حقيقية، وإلى قادة يعترفون بأن الأوطان لا تُدار بالدعاية ولا بالقداسة المستعارة، وإنما بالمسؤولية والصدق والقدرة على اتخاذ قرارات مؤلمة من أجل المستقبل.

وحين تفشل الأرض في حل الأزمات، تبدأ الرحلات نحو السماء… لكن السماء نفسها لا تمنح الخلاص لمن يرفض مواجهة الحقيقة على الأرض.

#الثورة_مستمرة

#ثورة_ديسمبر_المجيدة

#لا_للحرب

#نعم_للسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..