مقالات وآراء

في ذكرى رحيل الفنانة شادن: وطن من حنين وذاكرة تنزف صدى…

في الذكرى الثالثة لرحيل الحكّامة شادن محمد الحسين، نستعيدها لا كصوت غاب، بل كحنين لحن عذب، وموسيقى مترعة شجناً. كانت تمشي بيننا كالنسمة، تحمل تراثها وإرثها في نبرتها، وتسكب وجدانها في كل ما قالت وغنّت. ثم غنت فأطربت، وفي هذا الفقد القومي، نجد أن الكلمات تعود إلينا مثقلة بالحنين، وأن الصدى الذي تركته لا يزال يرنّ في دواخلنا ألماً وحزناً، رحلت ببهائها وجلالها، كأنها لم تغب، بل تحوّلت إلى ذاكرة حيّة تسكننا.
وحين نستحضرها اليوم، لا يمكننا أن نفصلها عن ذلك الميراث الذي كانت تجسّده، ذلك الذي يتجلّى في الأغنيات التي لم تكن مجرد فن، بل وثيقة حياة، ونصوص هوية. ومن بين تلك المعاني، يطل علينا هذا المقطع التراثي، الذي يبقى شيء من ذكراها، وشاهداً على ما كانت تحمله الحكامة شادن في صوتها من عمق وأصالة:
(“كُوري”..النيل شاقي الفيافي…. البكفي الفِيّا والمافي…
“البَار” ناشات، وكُلّ بُكَانْ فوقا سعية…. الفقر كان فِيّا نقول من الله بلية… والغنى كان فِيّا نقول هنية… شنو المَافِيّا وشنو المَافِيّا…. الدفق فوق التراب كُلّا ولا بِنّخَمْ…. أخير نقعدو اخوان في لُبّا ننجم…. السودان كبير…. السودان لينا بلم…
كوري أمدرقات… كوري البارة الحرة … كوري البدينة كن كسرت الزريبة بتعود لاخواتا منطرة….. كوري من دارها ما بتنترا…
شايلة لاخواتا المحبة والمسرة….
دايرين الخير.. أنطونا السلام…. يا صقر الجديان يا العالي المقام….)
لم تكن هذه الكلمات مجرد غناء، بل كانت حياة كاملة تنبض في صوتها؛ كانت الحكامة شادن هي “الكوري” بمعناها الأصيل: حرة، أصيلة، تسرّ الناظرين، وتحمل الخير والمحبة أينما حلّت. كانت تجمع ولا تفرّق، وتغنّي للوطن كما لو أنه شيئاً منها، وللناس كما لو أنهم امتداد روحها الجميلة.
وهنا، يلتقي النعي بالأغنية؛ فكما تساءلنا: هل بقي في المقل شيء من دمع؟ نجد أن هذا الدمع ذاته قد انسكب في تلك الكلمات، وفي ذلك التراث الذي كانت شادن حارسا له وناطقا باسمه. لقد كانت متحفا متحركا، وذاكرة حية تمشي على الأرض، وبفقدها لم نفقد صوتا فقط، بل فقدنا صدى الصوت نفسه، وفقدنا تلك الروح التي كانت تمنح الكلمات معناها الأعمق.
في هذه الذكرى التي تمر كئيبة حزينة، نصير نحن المجتمعات التي تبحث في نفسها عن بقايا ذلك الصدى، نحاول أن نلملم ما تبقى من الحنين وجرح الفقد، وأن نحفظ العهد الذي تركته لنا: أن يظل التراث حياً نابضاً بالحب والحياة، وأن يبقى الوطن أكبر من الفقد، وأبقى من الغياب. وأن تبقى شادن حاضرة فينا بغيابها.
رحلت شادن، لكن “الكوري” التي كانتها لا تزال بيننا… في الأغنية، في الذاكرة، وفي ذلك الحنين الذي لا ينتهي. فلترقد روحك بسلام، فقد أديتِ ما عليكِ من ضريبة وطنية صادقة، وكنتِ واحدة من أيقونات ثورة ديسمبر المجيدة، يتجلّى حضوركِ مهيباً بين الثوار، صوتاً للحق ووجداناً نابضاً بالحرية.
لم تختاري الطريق السهل، ولم تنحازي يوماً إلى الجلاد، بل وقفتِ حيث ينبغي للروح الحرة أن تقف: إلى جانب الإنسان، إلى جانب الكرامة، إلى جانب الوطن. وهكذا كنتِ، وهكذا ستبقين… رمزا لا ينطفئ، وصوتا لا يغيب. لمثلك تُذرف الدموع، ولمثلك يليق الخلود.

‫5 تعليقات

  1. رحم الله شعراء وايقونات ثورة ديسمبر وقتلي شباب ثورة ديسمبر والذين أضاعوا زهرة شبابهم
    ولكن سؤالي أن الامور مرهونة بعواقبها أو نتائجها فما هي نتيجة ثورة ديسمبر والتي وصل إليها الشعب السوداني الان ؟؟!!

    1. شكرا وفيرا دكتور هشام فهذا اللحن بالذات هو ربما خير تجسيد للحكامه شادن الجميلة ولروحها الوثابه وتوقها الدائم للجمال والسلام والمحبه،
      كلما استمعت لهذا اللحن يخال لي انني اسمع فيه سيمفونية الحان وايقاعات السودان علي امتداده تتمازج جميعها في لحن عظيم واحد.
      ففيه نجد المردوم والدلوكة والوازا والجراري والدليب والكول والطمبور والكرنق والنقارة والحسيس وطمبور كردفان والساوريت والمنضلا والدرملي والكاتم وغيرها تتهادي علي ايقاع واحد في جنة نغميه مذهله…
      رحم الله بنت عمتي شادن رحمة واسعة فقد كانت تجسد الجمال في كل شيء وكانت عظيمة في كل ما تفعله.

  2. أخي كيمو الشايقي،،،،
    صحيح أن الثورات في جوهرها فعل تغيير مستمر وليست حدث عابر يُقاس فقط بنتيجته اللحظية، وثورة ديسمبر لم تكن وليدة يوم أو ضيق معاش فقط، بل كانت امتداد لتراكم طويل من الوعي والرفض والنضال ضد الظلم والاستبداد. الحقوق لا تسقط بالتقادم، والشعوب قد تتعثر لكنها لا تنسى مطالبها الأساسية في الحرية والعدالة والكرامة. لكن في المقابل، الناس أيضاً من حقها أن تتساءل بمرارة عن الثمن الباهظ الذي دُفع: أرواح الشباب، وتشرد الملايين، وتمزق الوطن، والحرب التي أكلت الأخضر واليابس. فالتاريخ لا يقرأ النوايا فقط، بل يقرأ كذلك المآلات والنتائج.
    ومع ذلك، ربما تكون الفكرة الأهم أن الثورات ليست طريق مستقيم ولا انتصار فوري، بل مسار طويل مليء بالانتكاسات. وما يعيشه السودان اليوم قد يكون محطة قاسية ومؤلمة، لكنه لا يلغي أن جذوة التغيير التي أشعلها الناس ما زالت حية في وجدان السودانيين.
    سيأتي يوم يتوقف فيه صوت البنادق، ويعود السؤال الحقيقي: كيف نبني وطن يتسع للجميع بلا إقصاء ولا حرب؟ حينها فقط تكتمل معاني ديسمبر المجيدة، لا كشعار سياسي، بل كحلم شعب أراد أن يعيش بسلام وكرامة من شمال السودان إلى جنوبه ومن غربه إلى شرقه.

    سلام لا ينتهي
    وشكراً لمداخلتك المفيدة

  3. أخي د. هشام، لقد جعلتَ النص ناطقاً بحجم الفقد، ومعبّراً بصدق عن هول الغياب. وبحسب تقديري، فقد كانت الفنانة شادن محمد حسين صوتاً أصيلاً للتراث، بل لعلها كانت الناطق الأبرز باسمه، دون أن نغفل أو ننتقص من جهود الآخرين في هذا المجال. لذلك لا نقول: نجم هوى وغصن ذوى، وإنما نقول إن غيابها سيظل حضوراً دائماً في وجداننا، بما تركته من أثر حيٍّ وجمال لا يغيب.

    سلام لا ينتهي
    ولك التقدير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..