
دَعِ العَينَ تَبكِي دَهرهَا بِتَوَجُّدٍ .. على فَيضِ بَحرٍ كانَ بِالعِلمِ مُزْبِدًا
“عبدالباقي العمري”

الصورة: منزل العلَّامة البروفيسور عبدالله الطيب (1921 – 2003م)، وقد أصبح حُطامًا رُكامًا بفعل الحرب.
ما دعاني وألهمني إلى التعليق هو زيارتي، قبل أيام، إلى المنزل الذي وُلد فيه الفيلسوف الألماني كارل ماركس (1818–1883)، الكائن في مدينة ترير الألمانية.
وقد أصبح المنزل من أشهر المعالم التاريخية، بعد أن حُوِّل إلى متحف تُعرض فيه سيرته الشخصية، وحياته، وأفكاره، وتأثيره في السياسة والاقتصاد على مستوى العالم الحديث.
منازل العلماء والمفكرين تحفظ كمتاحف، لانها جزءًا من ذاكرة الإنسانية وإرثها الفكري.
سقوط منزل البروفيسور عبدالله الطيب تحت ركام الحرب في السودان، يعني هدم تاريخٌ من العلم والمعرفة.
تصان بيوت المفكرين بالحفظ والتدبير والحجر والقانون والوعي، لأنها تمثل ذاكرة أمة وكرامة ثقافة.. لا حرب الكرامة، التي تأكل حتى ظلال العلماء، ولا تترك سوى الغبار والأسى.. وعودة المجرمين إلى حضن الوطن، واستمرار سلطة الفساد والاستبداد والخيانة والعمالة في قمة ما تبقى من مؤسسات الدولة.. إن بقيت هنالك دولة في السودان!
ليست للحرب التي تدور رحاها في السودان صلة بالكرامة، حرب الكرامة وحروب التحرير والاستقلال والسيادة الوطنية يقودها قادةٌ عسكريون ومدنيون وطنيون، مؤمنين بالقيم والمبادئ وملتزمين بالمهنية، ومتسقين اخلاقيا ووطنيا مع قضايا بلادهم وشعوبهم.
الحرب تُعمِي وتُعمَى، وحين تُعمَى لا تفرِّق بين الضحايا الابرياء وغير الابرياء، بين منزلٍ عادي وبيتٍ كان يسكنه عَقلٌ كبير.
إن الأمم التي تحفظ بيوت مفكريها تحفظ روحها، أما حين تُهدم بيوت العلماء، فذلك ليس فقدان جدران فقط، بل خسارة جزءٍ من الذاكرة الوطنية والضمير الثقافي.
“عبدالله ولدنا” فربما يعذرنا، وقد عذرنا كثيرًا، ولكن ماذا نقول لروح تلك السيدة العظيمة جريزلدا الطيب، الوفية لزوجها ووطنها الثاني السودان حتى وفاتها، بعد أن تركت بلادها وأهلها الانجليز؟!
*أنظر وتأمَّل. فكِّر واعتبر.


