حين تصبح “العَوْقة” توصيفًا سياسيًا دقيقًا لا شتيمة عابرة

بقلم: حسن عبد الرضي
في السياسة السودانية، تمرّ أحيانًا كلماتٌ تبدو للوهلة الأولى ساخرةً أو قاسيةً أو مبالغًا فيها، ثم تأتي الأيام لتمنحها شرعية الواقع، حتى تتحول من مجرد توصيف انفعالي إلى قراءةٍ سياسيةٍ دقيقة تكاد تلامس حدّ النبوءة. ومن أكثر تلك الأوصاف إثارةً للجدل والدهشة، ما أطلقه الدكتور الوليد مادبو على رئيس وزراء حكومة “خيبة الأمل”، الدكتور كامل إدريس، حين نعته بـ”العَوْقة”.
يومها ظنّ البعض أن الرجل قد اندفع خلف خصومةٍ سياسية أو قسوةٍ لفظية لا مبرر لها، لكن ما جرى لاحقًا جعل كثيرين يعيدون النظر في تلك العبارة، لا باعتبارها شتيمةً عابرة، وإنما بوصفها توصيفًا مبكرًا لشخصيةٍ سياسيةٍ عاجزة عن حمل المسؤولية، مرتبكة في الفعل، مترددة في الموقف، ومتورطة في صناعة الخيبة أكثر من صناعة الأمل.
لقد كان اسم “حكومة الأمل” نفسه مفارقةً سودانية جارحة. فالرجل الذي جاء محمولًا على ضجيجٍ إعلامي كثيف، وعلى تاريخٍ بيروقراطي طويل داخل المؤسسات الدولية، بدا منذ لحظاته الأولى منفصلًا عن واقع السودان، كأنما هبط على البلاد من عالمٍ إداري بارد لا يعرف شيئًا عن الخراب الحقيقي الذي يعيشه الناس. لم يحمل مشروعًا واضحًا، ولم يقدم خطابًا سياسيًا متماسكًا، ولم يُظهر الحد الأدنى من الحس الوطني المطلوب لرجلٍ يجلس على كرسيٍّ تحيط به الدماء والانهيارات والمجاعات والتشظي الوطني.
ومن يراجع المقالات المبكرة التي انتقدناه فيها قبل وصوله إلى المنصب، سيكتشف أن كثيرًا مما قيل عنه لم يكن تجنيًا، ولا رغبةً في المعارضة المجانية، بل كان استشعارًا مبكرًا لخللٍ عميق في تكوين الرجل السياسي والفكري. فقد ظهرت عليه منذ البداية علامات التردد، والافتقار إلى الكاريزما القيادية، والعجز عن قراءة اللحظة التاريخية، فضلًا عن ميلٍ واضح إلى الاستعراض البروتوكولي الفارغ بدل الاشتباك الحقيقي مع قضايا الناس وآلامهم.
ولعلّ أكثر ما يثير السخرية المريرة أن الرجل الذي يحمل اسم “كامل” بدا في معظم ظهوراته ناقصًا في أهم ما يحتاجه رجل الدولة: الحضور، والاتزان، والقدرة على اتخاذ موقف واضح في اللحظة الحرجة. حتى أصبحت عبارة “كامل النقص” أقرب إلى توصيفٍ شعبي دقيق لحالة الارتباك التي لازمته منذ يومه الأول، حين انشغل بتوزيع الزهور والابتسامات فيما كانت البلاد تغرق في واحدةٍ من أسوأ لحظاتها التاريخية.
لقد تحولت زياراته الخارجية إلى مادةٍ للتندر، وتصريحاته إلى أمثلةٍ على ضعف التقدير السياسي، بينما ظل السودان يغرق أكثر فأكثر في أزماته الكبرى. وكان واضحًا أن الرجل لا يقود المشهد بقدر ما يُقاد داخله، ولا يصنع الأحداث بقدر ما يتعثر بها. وهنا بالضبط تتجلى دقة وصف “العَوْقة”: ليس بمعناه الشخصي أو الجسدي، وإنما باعتباره توصيفًا لحالة عجزٍ سياسي وفكري عن الحركة السليمة وسط واقعٍ بالغ التعقيد والخطورة.
إن المشكلة الحقيقية في بعض النخب السودانية أنها ما تزال تظن أن الشهادات الدولية، والمناصب الخارجية، واللغة الدبلوماسية المنمقة، تكفي لصناعة رجل دولة. بينما أثبتت التجربة السودانية، مرةً بعد أخرى، أن إدارة بلدٍ جريح كسودان اليوم تحتاج إلى ما هو أعمق بكثير: رؤية واضحة، وشجاعة أخلاقية، وصدق مع الناس، وقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة الحرجة. وهذه كلها أمور لم تظهر في تجربة كامل إدريس، لا قبل المنصب ولا بعده.
وهكذا، فإن الأيام لم تنصف فقط عبارة الدكتور الوليد مادبو، بل منحتها قوة البرهان الواقعي. كما أثبتت كذلك صحة الأصوات التي حذّرت مبكرًا من صناعة “بطلٍ وهمي” جديد يُقدَّم للسودانيين بوصفه المنقذ، بينما هو في الحقيقة مجرد عنوانٍ آخر للارتباك السياسي السوداني المزمن، الذي ظل يعيد إنتاج الفشل بوجوهٍ مختلفة وشعاراتٍ براقة.
وفي النهاية، تبقى المفارقة السودانية المؤلمة قائمة: كلما اشتد الخراب، خرج علينا من يعد الناس بالخلاص، ثم يكتشف الناس — بعد فوات الأوان — أنهم لم يكونوا أمام قائدٍ تاريخي، بل أمام “عَوْقة” جديدة يرتدي بدلةً رسمية، ويتحدث بلغةٍ دبلوماسية أنيقة، بينما يعجز عن رؤية الجرح السوداني العاري أمامه.



