الايبولا يضرب من جديد

د. خالد عبد العاطي
قبل عشرة اعوام كنت قد كتبت عن مرض الايبولا وارهاصات انتشاره في جنوب السودان ودارفور متسربا من الكونغو وافريقيا الوسطي . كان ذلك قبل اندلاع الحرب في السودان.
الايبولا يضرب من جديد:
اصدرت منظمة الصحة
العالمية تحذيرا عالميا من تفشي جديد لمرض الايبولا في جمهورية الكنغو الديمقراطية مع انتقال بعض الحالات لجنوب السودان ويوغندا وسمت التحذير ” حالة طواريء صحية عامة ذات بعد دولي” وهذا التعريف يدل علي انه هنالك تخوف من تحول الوباء )epidemic الي جائحة pandemic .حتي منتصف مايو الجاري تم تاكيد ٨ حالات معمليا في الكنغو مع اكثر من ٢٤٥ حالة اشتباه و حالة وفاه يشتبه انها بسبب الايبولا.ايضا تم تسجيل حالتين مؤكدتين بجمهورية يوغندا يعتقد انها حالات قادمة من الكنغو.معلومات انتشار المرض في الكنغو وجنوب السودان لاتزال غير مكتملة وقد تكون الاصابات اكثر من ما تم رصده وتسجيله. هنالك مسؤليات يجب القيام بها من الدول المجاورة للكونغو والقريبة ايضا لاحتواء المرض عبر التدابير الصحية الموصي بها من منظمة الصحة العالمية والمركز الافريقي للامراض السارية . اوضاع الحرب في السودان وجنوب السودان قد تكون من اصعب التحديات التي ستواجه العاملين في الصحة في مكافحةً ومن انتشار المرض الذي يتطلب تجهيزات لوجستية معقدة وحرية وصوول لكافة المناطق بسرعة وبدون قيود. وهذا ما سيكون صعبا في ظل هذه الظروف الاستثنائية في قطري السودان الشمالي والجنوبي
هذا الوباء الفيروسي الفتاك خطورته لا تكمن في أنه مرض قاتل من الدرجة الاولي مع نسبة وفاة تصل الي 90% في غضون اسبوعين فقط من ظهور الإعراض .الخطورة تكمن في الشلل الذي يصيب النظام الصحي لا سيما في الدول ذات الأنظمة الصحية الضعيفة في مجالات مكافحة الاوبئة والبنية التحتية الصحية الضعيفة أصلاً.هذا الشلل في النظام الصحي يتبعه إنهيار تام تكون عواقبه الصحية أوخم من (الايبولا ) نفسه.حيث أن إنتشار المرض لبضع أشخاص يخلق حالة من الفزع وسط المواطنين في المقام الأول ، يجعلهم يعزفون عن إرتياد المستشفيات والمؤسسات الصحية خوفاً من إلتقاط العدوي فيظلون بأمراضهم في المنزل او يلجأون للمعالجين الشعبيين وبهذا تسوء المؤشرات الصحية للمجتمع في غضون أسابيع فقط.
الجانب الآخر أن العاملين في القطاعات الصحية من أطباء وكوادر أيضا سيتجنبون العمل في أي مستشفي يشاع أنها صارت تحتضن عدد من الحالات وهم ? أى الكوادر الصحية – أكثر الفئات دراية بخطورة وسرعة إنتشار المرض ، لا سيما إذا لم توفر الجهات الصحية إجراءت وقائية وإجراءت السلامة المرتفعة المستوى، والتي تتضمن تغطية كل الجسم بملابس خاصة مع أقنعة ونظارات زجاج ،إضافة لتدريب عالى و مستفيض علي الاجراءت الوقائية وفقاً لموجهات منظمة الصحة العالمية. وفقاً لما ذكرت أعلاه عن عزوف المرضي والعاملين بالقطاعات الصحية من إرتياد المشافي خوفاً من العدوي فإن إنهيار النظام الصحي سيكون حتمياً
، كما حدث في ليبيريا البالغ عدد سكانها قرابة الأربعة ملايين حيث أدي (الإيبولا) لإنهيار النظام الصحي ، ولولا جهود منظمة اطباء بلا حدود التي تولت أمر القطاع الصحي بالكامل في ليبيريا لكانت المأساة فوق حدود أي تصور.
هذا الوضع قيد يحدث مالم يتم تمليك المجتمع معلومات حقيقية وشفافة عن وضع الوباء والاجراءات الوقائيةاللازم اتباعها والا فسيتلقي عامة الناس المعلومات عبر الاشاعات غير المحكمة اذا ما فقدوا الثقة في الجهاز الاعلامي الرسمي للسلطات الصحية.
إذاً دعونا نعرف ماهو (الايبولا ) ؟؟؟ (الإيبولا ) مرض فيروسي يسبب ما يسميه الأطباء بالحمي النزفية والتي يسببها بالاضافة لفيروسات( الإيبولا) عدد من الفيروسات الأخري إلا أن ( الإيبولا ) هو أخطرها علي الإطلاق ، وتاريخياً فإن أول إصابة ب( الإيبولا) حدثت في السودان وبالتحديد في منطقة أنزارا (حاليا ضمن حدود جنوب السودان) ، التي تقع في غرب الاستوائية علي بعد عشرة أميال من يامبيو، في منتصف العام 1976 وبلغ عدد الحالات المصابة وقتها (284 ) حالة توفي منهم (151 )، وسمي الفيروس المسبب لهذا
المرض ب (فيروس السودان )
)SUDV(
وتمت إضافة ثلاثة أنواع للفيروس المسبب ل( الإيبولا) ليصبح العدد الكلي لأنواع الفيروسات المسببة ل (إيبولا ) أربعة ، ولاحقاً أصبح خمسة مع درجات خطورة متفاوتة .
فترة الحضانة لهذا المرض تمتد من يومين إلي ثلاثة أسابيع ، وهي الفترة التي تمتد من إلتقاط العدوي وحتي ظهور الأعراض .أعراض وعلامات المرض الابتدائية تشبه أعراض الأنفلونزا حيث يشعر المريض بحمي وفتور في الجسم وما يشبه أوجاع الحلق مع صداع وآلآم في العضلات ، بعد ذلك ينتشر المرض في الجسم وتبدأ وظائف بعض الاعضاء مثل الكبد والكلي في الإعتلال ، يتبع ذلك خلل في عملية التجلط الدموي في جسم المصاب يؤدي إلي نزيف دموي يبدأ تحت الجلد وفي اللثة والفم وغالباً ما يمتد ليشمل إستفراغ دموي ونزيف من معظم فتحات الجسم ، وربما نزف داخلي في الإمعاء أو العضلات قد يحدث ، ويعتبر النزيف وهبوط ضغط الدم هما السببان الأساسيان في الوفاة لمريض (الإيبولا ) والذي غالباً ما يدخل في حالة غيبوبة قبيل الوفاة بساعات ، وفي هذا الطور يكون المريض معدي للدرجة القصوي . تظل أيضاً جثة المريض ب (الإيبولا ) مصدراً للعدوي بعد وفاته ، لذا ينصح بحرق الجثة بعد الوفاة وحملها بحذر باستخدام الاحترازات الوقائية القصوي والتي توصي بها منظمة الصحة العالمية والإمتناع قدر الامكان عن ممارسة الطقووس المعتادة قبل الدفن والتي قد تتضمن لمس الجثة أو السوائل المتعلقة بها دون إتباع الإحترازات الوقائية القصوي الموصي بها عالمياً في مثل هذه الأمراض والتي تضمن تغطية كل الجلد بالملابس الواقية قبل التعامل مع الجثة والحرص علي تعقيم مكان الجثة جيداً والتخلص من السوائل ومتعلقات المريض والجثة بنفس الطريقة حتي لا تنتشر العدوي.
ينتقل فيروس (الإيبولا ) عن طريق الاحتكاك مع أي سائل من سوائل جسم المصاب والتي تشمل الدم واللعاب والبراز والبول والمخاط والمني وحتي العرق. ينتقل الفيروس عن طريق الهواء لكن الرزاز المباشر من فم المصاب أثناء الكلام يمكن أن ينقل العدوي ، وجدير بالذكر أن مني الرجل يظل يحتوي علي الفيروس حتي شهرين من الإصابة وإن شفي من المرض . ملامسة متعلقات المريض الشخصية يمكن أن تنقل المرض ومع وجود الفيروس في عرق الشخص المصاب فإن المصافحة بالأيدي أيضا يمكن ان تنقل الفيروس .فيروس ( الايبولا ) لاينتقل عن طريق الحشرات أو البعوض .
د.خالد عبد العاطي
استشاري علم الامراض
جامعة بوتسوانا



