مقالات وآراء

بين تشريح الأزمة ومأزق البدائل: قراءة في خطاب الوليد مادبو

السماني شكرالله

في خضم الضجيج السياسي السوداني، حيث تتكاثر البيانات أكثر مما تتكاثر الحلول، جاء مقال الوليد آدم مادبو الموسوم بـ نيروبي وإعادة تدوير الفشل السوداني كواحد من أكثر النصوص جرأةً في مقاربة المأزق السوداني الراهن.
لم يكن المقال مجرد تعليق عابر على اجتماع سياسي، بل محاولة لتشريح بنية الأزمة السودانية من جذورها العميقة، وكشف العطب المزمن في تكوين النخبة المدنية التي ظلت بحسب الكاتب أسيرة اللغة الأخلاقية الرخوة، بينما تُدار السياسة في واقع الأمر بمنطق القوة وموازين الدم والمصالح.
لقد أصاب مادبو كبد الحقيقة حين تجاوز القراءة السطحية للحرب بوصفها خصومة بين جنرالين، إلى تفكيك الأساس البنيوي الذي راكم الفشل السوداني منذ الاستقلال: مركز يحتكر السلطة والثروة، وهوامش مؤجلة الغضب، ونخب تجيد الخطابة أكثر من قدرتها على بناء الدولة.
كما أن تمييزه الذكي بين الناشط و رجل الدولة يُعد من أكثر محاور المقال عمقًا؛ إذ نجح في فضح وهم الاعتقاد بأن البيانات الإنشائية والمصطلحات الحقوقية وحدها قادرة على تفكيك واقع تتصارع فيه البنادق قبل الأفكار.
وكانت لغة المقال، بما حفلت به من عبارات مكثفة من قبيل: (السياسة بمعناها الثقيل) و(توازنات الدم والمصالح والخوف)، شاهدة على قلم يمتلك أدواته البلاغية بقدر امتلاكه لأدوات التحليل.
ذلك أن النص لم يكتفِ بوصف الأزمة، بل منحها أبعادًا فلسفية وسوسيولوجية جعلته يتجاوز حدود المقال السياسي التقليدي.
غير أن قوة التشخيص لا تعني بالضرورة سلامة الاستنتاجات.
فالمقال، رغم عمقه، وقع في مفارقات منهجية أضعفت بعض تماسكه الداخلي.
إذ بينما يهاجم الكاتب النخبة المدنية لأنها تراهن على “الأمنيات الأخلاقية”، نجده في خاتمة مقاله يراهن هو الآخر على فرضية عقلانية مفادها أن قادة الحرب قد يدركون عبث استمرار الصراع وخطورته على قواعدهم الاجتماعية.
وهنا يبرز السؤال الحرج: أليس هذا بدوره نوعًا من الرغبوية السياسية؟ وكيف يمكن التعويل على وعيٍ أخلاقي لدى أطراف أثبتت التجربة أن منطق البقاء الشخصي والتحالفات الإقليمية يتقدم عندها على أي اعتبار وطني أو اجتماعي؟
كما أن المقال اقترب، في بعض مواضعه، من منح قوات الدعم السريع شرعية اجتماعية باعتبارها تعبيرًا عن اقتحام الهامش للمركز، وهي قراءة وإن لامست بعض جذور التهميش التاريخي إلا أنها تتجاهل حقيقة أن المظالم العادلة لا تكتسب عدالتها من فوهة البندقية.
فالمليشيا التي رفعت شعارات المهمشين مارست، بدورها، أنماطًا من العنف والانتهاكات والتهجير ضد مجتمعات مهمشة أخرى، الأمر الذي يجعل اختزالها في مجرد حامل اجتماعي قراءة تتغاضى عن الطبيعة المركبة والخطيرة لهذه القوة.
ولعل من أبرز إشكالات المقال أيضًا تعميمه القاسي على النخبة المدنية، إذ صوّر مجتمع نيروبي ككتلة واحدة غارقة في العجز والارتهان الخارجي، متناسيًا أن التمسك بالخطاب المدني والحقوقي مهما بدا ضعيفًا يظل آخر ما تبقى من الضمير الأخلاقي لفكرة الدولة السودانية.
فحين يُدان الصوت المدني كله، يصبح المشهد مهيأً لشرعنة منطق الغلبة العسكرية باعتباره الواقعية الوحيدة الممكنة.
ثم تأتي المعضلة الأكبر: غياب الآلية التنفيذية للحل.
فالمقال ينتهي بدعوة أنيقة إلى دفع الطرفين نحو التفاوض السياسي، لكنه يترك السؤال الجوهري معلقًا في الهواء: من الذي يملك هذا الدفع؟
إذا كانت النخبة المدنية عاجزة، والمجتمع الدولي مجرد منصة يخاطبها الناشطون، فمن هي القوة الوطنية القادرة على كبح جماح السلاح؟
هنا تتجلى براعة النص بوصفه أداة تشخيص مذهلة، لكنه يتعثر حين ينتقل من منطقة النقد إلى منطقة البرنامج السياسي.
ومع ذلك، يبقى مقال الوليد آدم مادبو نصًا استثنائيًا في فضاء سوداني مزدحم بالشعارات الجوفاء.
لقد نجح في تعرية كثير من أوهام النخب، وكشف عطب الخطاب السياسي الذي ظل يكرر ذات الأدوات منتظرًا نتائج مختلفة.
لكنه، في المقابل، لم ينجُ بالكامل من الوقوع في مأزق البدائل، فبدا أحيانًا كمن يهدم البناء القديم ببراعة، دون أن يمتلك خريطة واضحة للبناء الجديد.
وهكذا، يقف المقال معلقًا بين عبقرية التشخيص وعجز الوصفة؛ بين مرثية حزينة لانهيار الدولة السودانية، ومحاولة لم تكتمل بعد للبحث عن طريق الخلاص.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..