مقالات وآراء

فى حضرة رحمات صعيد عرفة

منذ كنا صغارا، ونحن ننتظر يوم (عرفة) لنصوم مع الكبار، ونستمتع طوال اليوم بسماع الراديو وهو يذيع ما يحدث فى صعيد عرفة لحظة بلحظة، ويصف بالتفصيل مايحدث أمامه من تحركات الآلاف من حجاج بيت الله الحرام، وتنقلهم من مكان لمكان مع ذكر آيات الذكر الحكيم، والأحاديث النبوية الشريفة التى تقال فى هذه المناسبة.
وكان من أروع هذه اللحظات التى كنا نستمتع بها، انتقال الميكروفون بين مذيعين من كافة أنحاء العالمين الإسلامى والعربى.
ولما ظهر التلفزيون، وبدأ ينقل الأحداث مرئية على الهواء مباشرة، زاد ألق هذا اليوم وأصبحنا أكثر ارتباطا به، وكنا نعيش مع حجاج بيت الله الحرام لحظة بلحظة، متمنين أن نكون معهم فى هذا التجمع الهائل الذى يعتبر أكبر تجمع فى تاريخ البشرية فى مكان واحد.
ولما كبرنا، منحنا الله سبحانه وتعالى منة أن نكون مع هؤلاء، وتحقق الأمل الذى كنا نرنو إلى تحقيقه.
وعندما يقترب هذا اليوم، تأخذنى الذكرى إلى يوم كنا ضمن هذا التجمع الهائل فى عام مضى منذ زمن طويل يربو على سنوات عشرأو أكثر، وكنا قد قررنا ان نبدأ مبكرين بالمدينة المنورة، لنقضى فيها فترة أطول نستمتع فيها بالصلاة فى مسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم) وننعم بقضاء أروع اللحظات الروحانية فى الروضة الشريفة التى ذكرها المصطفى صلى الله عليه وسلم فى أشهر أحاديثه الشريفة (مابين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة).
وأذكر أننى كنت جالسا مع صديق من أجل وأحب أصدقائى وأروعهم أخوة وعشرة طيبة عطرة دامت لسنوات طويلة فاقت العشرين عاما، فى فناء مسجد المصطفى (صلى الله عليه وسلم) وكانت جلستنا على تلك الأبسطة الحمراء التى تغطى المكان بين قبره الشريف وبوابة البقيع حيث يرقد آل البيت والصحابة الأطهار بعد أن صلينا العشاء، ولا زالت تلك اللحظات تترائى أمامى بكل أحاسسها الغامرة للروح والجسد والعقل والقلب والوجدان، حيث شعرت وقتها بنوع من الأمان الروحى والاستقرار النفسى الشامل بما لم أشعر به من قبل فى حياتى، بل إن حالة الاستقرار والسكون التام، شعرت بها تجتاح كل خلية فى جسدى، وأن تلك الخلايا قد سكنت واستراحت بعد سفر طويل بين منغصات الحياة الدنيا وتناقضاتها لسنوات طوال، نتيجة المعاناة مع ضروب الحياة.
ولازلت أسترجع صدى وروعة تلك اللحظات كلما مرت بى لحظة من لحظات الضيق، فأشعر بنوع من الراحة والسكينة وهدوء البال، وبدأت أفكر بعمق فى أهداف هذه الفريضة العظيمة (الحج إلى بيت الله الحرام)، فيما وراء مادرسناه فى المدارس، وما استمعنا إليه فى خطب الجمعة، من أهداف ترنو إلى تحقيق التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وغفران الذنوب، والتجرد من مظاهر الدنيا، والشعور بالمساواة بين جميع البشر، والسعى الى تعزيز وحدة الأمة الاسلامية، وتزكية النفس، وترسيخ معاني الأخوة والتعاون، واستشعار عظمة الإسلام.
وهذه كلها أهداف رائعة جدا بلا شك، ولكن معظمها – فى رأيى- يقع خارج النفس الانسانية – أو بمعنى أدق- لايلامس الروح – فيما عدا هدف تزكية النفس- وفى رأيى أن هنالك هدف أسمى لفريضة الحج وهو أروعها فى رأيي، ولا غنى بطبيعة الحال عن الأهداف المذكورة سابقا، وهو أثرها الكبير والبالغ على الروح والوجدان.
فأنت تشعر إذا رجعت إلى حمى ربك، وفكرت بعمق وفى هدوء فى كل مامنحك به من نعم، لا تحصى ولا تعد، وأهم تلك النعم وجودك الآن فى هذه اللحظة الفارقة من عمرك ومن عمر الزمن، فى صعيد عرفة، وأثرها البالغ عليك، وشعورك أنه قد تم غسلك من الداخل والخارج من كل أدران ومصاعب الحياة ومشكلاتها المعقدة، وأنك الآن تشعر بأنك إنسان جديد، بأجهزة جديدة نشطة أعيد تركيبها مرة أخرى، فعدت (بحالة المصنع) حسب لغة العصر، أو على الأصح عدت إلى فطرتك التى خلقك الله عليها، بنفس السمات، ونفس النقاء، وبحالة الصفاء القصوى التى يتم فيها الشعور بالاعتدال والتساوى والانسجام فى كل شىء أمامك ويحيط بك، والتوافق التام بينك وبين من حولك وما حولك، من بشر، وكائنات حية أخرى، ومظاهر طبيعية يظن الإنسان أنها جمادات وهى فى الحقيقة تتحرك وتتغير كل لحظة من لحظات الزمن، ولكن الإنسان لا يلاحظ ذلك، وأهمها – على الإطلاق- الشعور بالترابط القوى بينك وبين ربك سبحانه وتعالى، والشعور بأنك قريب منه، وهو الذى يمنحك كل هذه المشاعر الرائعة.
ولقد ساقنى هذا الشعور، إلى أهمية – أو ضرورة – تكرار هذه التجربة (وهى تجربة الحج) لمن استطاع إلى ذلك سبيلا، وذلك لإجراء (الصيانة) لدواخلنا كل فترة زمنية، ونحن – كمسلمين بالذات- قد منحنا ربنا تجلت قدرته وعظمت مشيئته سبحانه وتعالى، هذه الهدية الكبرى، والمنة العظمى، حتى ننقى قلوبنا وأرواحنا ووجداننا من الشوائب والخطايا المتعلقة بالحياة الدنيا، والتى تعلق بها كل فترة زمنية، وما ينتابها أحيانا كثيرة من صراعات على موارد الرزق، وعلى متع الحكم، وما تقوم به هذه الصراعات من تغيرات تعمل بقسوة على تشويه أرواحنا ووجداننا وقلوبنا وتجعلها صلبة لا تحس ولا تشعر بآلام الآخرين، إذا تجاهلنا شروط الصراط المستقيم الذى أوصانا الله سبحانه وتعالى باتباعه – غير مدركين خطورة ذلك من تبعات جسيمة فى الدارين- قال تعالى:
(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام: (151-153).
فهل استوعبنا هدايا ومنح ومنن الله سبحانه وتعالى علينا؟ وهل استجبنا إلى وصاياه؟ وهل وعى البعض منا إلى خطورة ما ترتكب يداه من خطايا عواقبها وخيمة فى الدارين؟
اللهم إنى قد بلغت، اللهم فاشهد..!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..